ثقافةفنيمساهمات

الحزن في وجدان الشاعر آل مخيف ( 2)

العشق عند شاعرنا هو الوجود الذي سواه عدم ، وهو شعلة الأمل التي تنطفئ بغيره , إذ  يكون كلّ شيء ، ويكون لا شيء بنفس الوقت وتلك هي المعادلة الصعبة وهو بذلك يلخّص قصة حياته وعمره بكل تلخيص امين وصادق لا كذب فيه ، فهو عربي الطباع وخجول جدا من انثاه يتحسس ويغار عليها من نسمة هواء طيبة وهو ذلك العاشق الذي ظفر بمعشوقته من ألوان ريشته بأوفى نصيب … فيقول مردداً :-

( فضميريَ وجهُ للعشق                     وكتابي نخلٌ لو يُغرسْ )

تلك هي الصور الشعرية التي أباحها شاعرنا لنفسه حتّى أصبحت لا تفارقه ليل نهار , صور هي أجمل من عاج محاط بزجاج , أو موسيقى تنبعث من معزف في هيام ساعات الشوق والغرام , إنها غاية السعادة والمتعة والسرور لدى شاعرنا المغرم بكل جميل , وفي قصيدة ( ابن العراق ) تبدأ الحكاية من روح جذلى ,هي نقية كنقاء الفجر حين يبزغ على جميع أجناس الخليقة ويبث عليهم الأمل والحبّ لأنه مصدر العطاء والخير المحض, فلا تشاؤم في خيوطه التي تتدلى على جبين فلاح يقلّب أرضه ,ولا كراهية عند نسيمه الذي يلاعب جديلة امرأة حسناء تهدهد طفلاً , إنها معادلة وضعت منذ الأزل لم يكن ليفكّ رموزها إلا أصحاب القلوب الحالمة ونايات هدير الجداول ,والشغوفة بأنغام خرير السواقي وهي تسقي خلّانها كرماً وعفّة :-

( ولي روحٌ كوجهِ الصبحِ جذلى           وكفٌ لم تقلْ للخيرِ كلا

وقلبٌ هامشُ الناياتِ فيهِ                  شغوفٌ حالمٌ قولاً وفعلا )

وحريٌّ بنا هنا أن نجزم إن ال مخيف هو واحد من أولئك الذين استقام الشعر على فطرتهم ، فاستقرت نظمه وتفعيلاته في نفسه، حتّى تزاوجت مع مشاعره المتوثبة ، وتوالدت على سننه ، فتجاوزت نطاق بيئته الريفية الى فضاء شاسع استدعاه منطق احساسه الملتهب ، في لغة عاشقة اشتق منها وزناً وقافية ، وجعل منها قصيدة اشبه بأنشودة ينشدها اولئك الهائمون في البيداء حيث لا تتراخى احاسيس شاعرنا في شيخوخته التي هي فتوة في حقيقتها كما نراها نحن في قصيدته( الشيخ والصدى)، إذ تسبر قصيدتُه غورَ فنيّةِ مشاعرِه الخاصة ، وتجذبنا الى لوحة رائعة صوّرها شاعرنا ،فكانت بهتةً في عُرف الشعراء ، توهجتْ شواظا بنسق موسيقي منظم الوزن ،افتتحها بلون ريفي عاشه حيث لا تشعّب َ في طرائق الحياة هنا ، فكانت لوحته البيضاء لا شيةَ فيها :-

( ياصبحها الوردي مبتسما بدا      ياوجهها القمري ماوسع المدى )

وما قُدَّرَ لهذا البيت أن يولد لولا أنْ استوى الريف في شعره غنائياً بمظهر عبّر فيه عن ذاته الشاعرة وبيئته التي لم ولن ينسلخ عنها ما حيَّ.

لدى شاعرنا براعة في الأداء ، أسعفته بيئته  فيه ، تلك البيئة التي توافرت فيها كلّ مظاهر التصوير والابداع ، وهو ذات الشاعر الذي ينفض غبار الحزن متمرداً على ذاته العاشقة نافحاً بنار الغرام قدور مشاعره الملتهبة.

وشاعرنا صاحب هذه الصور لا يسمع صدىً لمعشوقته ولا ردًّاً لصداها حيث شاء

كظَّ مشاعره التي رآها قد قُدّتْ عليه قَدَّ عباءته القبلية التي هي رمز فتوته حيث يُزاحم بها الاخرين من أترابه , سرُّ ايماءاته هو ما يجعل شاعرنا الجليل لا يكتفي باليقظة قدر اكتفائه بالحلم ، إذ يتوغل إلى صميم فؤاده المتجمر بوجدانية حالمةٍ وحاملةٍ الرفقَ والهيامَ معها فيقول :-

( سائلتها بالرفقِ في شيخ فكمْ …).

إن الريف عند شاعرنا الجليل آل مخيف هو مسرح صباه وفراش أمانيه الغافية، يلتقط منه ايقاعه الخاص ويمزجه بجموح ذاق هواه متأرجحاً متردداً فينفخ في طينِ جرفِ شواطئه ويستصرخ نقاءَ هوائه فيصبح شاعرنا حلقةَ ربطٍ لنجوم الريف وفنّه مهما طال بهم الأمد أو بَعُدَ عليهم العهدُ على أسماع أجياله القادمة ، فيألفون أنغامهم التي لا تختص بقبيلة ولا بجيل معين ، مهما تواترت أجناسهم وركبوا أنماطاً تصويرية جديدة من الابداع والجمال الريفي حيث سعة الخيال وقوة المحصول الأدبي اللذان استوهبهما شاعرنا في رقصة استثنائية مضافة لرقصاته التي أشبعت متتبعيه روحا ، ومعشوقته لهبا ونار لظى إذ يقول :-

( وتكلمت والثغر ينفض لؤلؤاً            والراء لم أدر إذا كسرت سدى

هي لثغة والحرف يخرج مائلاً                حتّى استقام ملبياً ومغردا )

فتطيب نفس شاعرنا عند هذه اللثغة التي أبدع فيها تصويراً ، ولا تثريب عليه

مادامت تُسحِر لبّه، فيركب منها ريحه الخاصة، طائراً، وان خاصمتْه الشمس متماشياً مع ما يجرفه منه عمره أو ما يلقاه، حيث تجاورت مشاعره وتأملاته الإبداعية في اتساق لا نجد فيه ثغرة عيب أو سوء .

كلّ ذلك نلمسه جلياً بعد تتبع دقيق لمسيرة شاعرنا آل مخيف في رحلة قصائده

التي أوجدت مستوى غزلياً عفيفاً ينطق بشخصيته الاجتماعية والأدبية ويتحدث

بلغته الهادئة البسيطة البعيدة عن التأويل والخالية عن المصطلحات الممجوجة

فهو يقول:-

( مُذْ كنتُ مهراً جامحاً لمْ أستبقْ           منــــي الخطى مُتَجَمعاً مُتفردا

إذْ أخبرتني الـــريحُ أني طائرٌ          إنْ خاصمتهُ الشمسُ مُقَتَمراً غدا )

إن خطاب شاعرنا آل مخيف هو خطاب شاعري منظم بإحكام توّجَهُ بوطنية راهن

عليها الكثير , فكانت أمنيته الأولى هذه في تجاوز مرحلة الحلم إلى مرحلة الواقع

دون أن تتأكده عوائقُ في ذاته أو خصيصة في بيانه ، فشاعرنا ال مخيف يتحدث

عن اقتدار عراقه بما يستقر في ذاكرة جمهوره الذي عَرف عنه ذلك, وهو إذْ يفتتح أحلامه التي كانت وليدة شرعية لما رآه من صبر عراقه ما لا تتحمله الجبال ومن شجاعة أبنائه ما يجعله في سفر التاريخ ، فإنه يندفع بمطلع خطابي يخاطب فيه العراق وكأنه الساحة الوحيدة التي تعيش في وجدان شاعرنا ليرسم خطواته في قصيدته الكافيّة الساكنة ذات البحر الكامل فيستدعي أذواق السامعين بأنغام عزف بها فاغرق ، و فاض بها فأذهل ، واطرب بها فسَحَر ,فها هو يقول :-

( فالأخرونَ على الحروفِ تيَتَموا     وأتيتَ مبعوثاً لنا كي نَتبعَكْ

كتبوا على الجدرانِ أنكَ مَيتٌ       فتعذرَ الكلمُ العَفيف وأسمعَكْ )

ولا عجب في ذلك فهو شاعر يحمل في داخله الواجب المقدس لرمز روحي يستردّ به تاريخ عراقه وينهل من اكسيره ضمادة عزائه لما كتبوا عن موته ، فأحال نبضه شفاعة لحروف تيتم عليها الأخرون ، فتعذر الكلم العفيف عن أن يزن عراقه بميزانِ قيَمِ الفنّ عجزاً ، ذلك لان جوهره لا يقف عند رؤية معينة أو اثارة محدودة  بل هو حركة الوجود الخارجي تعقبها هزّة في الوجود الداخلي يستتبع ذلك انفعالات تجعل من وجدان شاعرنا نواةً ثنائيةَ التكافؤ بين منتجةٍ للفنِّ وأخرى متذوقةٍ له وتجعل من نوافذ حسّهِ شعوراً توأماً يتجسد فيه الإلهام الوليد والتلقي الفريد بنفس الوقت ، ويستقبل شاعرنا خواطره بمهارةِ لاعبٍ فزاوجَ بين عراقه وذبيحهِ الإمام الحسين (عليه السلام) ويرى فيهما ذلك الإباء وتلك الـ (لا) معجونةً في دم الإمام الرضيع (عليه السلام) بما أوحى لشاعرنا أنَّ المسرح الكوني زاخر بالعطاء بمشاهد وجدانية حفلت بالترقب والتأمل للمدركات الحسية فسجل لقطته

البصرية للضحى والغبش والنخيل والليل والحناء ، وهو في الوقت ذاته لا يعجز

عن الاتيان بالمدركات النفسية أيضاً ، ففجر طاقاته الذهنية للتعبير عن صور اكتوت بها المشاعر واستقرت آخر الأمر في أعماق شاعرنا فالقناع الذي أسقطه عراقُه أنتج تلك اللقطةَ النفسية التي كان شاعرنا يرجوها منذ أنْ خطّ أولَ حرفٍ في قصيدته هذه ، و هو لم يزل يرى أن تلك الآفاق ليست كلّ شيء فٱنماث بين مروءةٍ وبين عناقٍ لشمسه و منبعهِ وبين بدرٍ ايقظتْه أوجاعُه بما لا يروق الحسان إلا بمثل تلك الجمالية التي سكبها شاعرنا بمنظر استجلب فيه كلّ الأسى رغم ايحاءاته الخفية وهواجسه التي لا تنتهي بكلِّ صدق وأمانة .     .

الناقد عبد الباري المالكي

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock