ثقافةفنيمساهمات

الحزن في وجدان الشاعر آل مخيف

رسالة تهدد النائمين والخارجين على الأخلاق

ليس من الغريب أن نجد شاعراَ يعيش أيامه حزيناَ , إمّا لحبٍّ انقضى , أو لوطنٍ ضاع , أو جاهِ سُلب ,لكننا حين نمعن النظر في شخصية شاعرنا جمال ال مخيف فإنَّ الصورة تتغير رغم وجود الأسباب نفسها .
فشاعرنا عاش حبّاَ قد انقضى , ورأى وطناَ يتهاوى بين أيدي الظالمين والفاسدين , وهو رغم هذا وذاك فأنَّه ما زال يعيش التفاؤل ويتجلبب الوشاح الأخضر لأمل قادم لا يحسّ به إلا هو .
أن صرخات شاعرنا آل مخيف المدوية لن تكون هباءً في أطواء الزمن , ولن تنعدم في أجوائه الصاخبة بحقيبة اللا شيء , تلك الاجواء التي يجد كلّ حرّ صداها الثورية لواقعٍ مزرٍ وفسادٍ شائع لأنها رسالة تهدد النائمين والخارجين على الأخلاق, فتدعوهم إلى الالتجاء إلى كفكفة عبرات تلك الزهور التي ذبحوها باستبدادهم وفسادهم وقد حاولوا أن يشوبوا كدر الصباح بظلمة الليل التي تغاير طبع الشاعر حاملاً تلك الاستعارة لتوطئةٍ هي الأسمى , وهي أصله الذي لم ولن يتخلى عنه وهو أنه عراقي , وهو بذلك قد استنّ سنّة لنفسه أفاضت به وطنيةً بصبح عراقي سطعت عنده أشعة الشمس بأطيافها السبعة وألوانها الزاهية بما يتناسق مع ازدحام الصور التي تعشعش في مخيلة شاعرنا بأسلوب ممتع حتّى ليجد القارئ في تلك الصور نبضاً لشريان حياة في تلك التعابير ذات الوثبات السريعة الانتقال من صورة متلاحمة الأجزاء إلى أخرى محكمة الأواصر , منسجمة الألفاظ دون الخروج من الموضوع ذاته .
إن أمنيات شاعرنا تجاوزت الحدود العليا لتثمر يسر منال في عسر , حتّى أثرت
في وجدانه انفعالات متجاوبة تخطت الرؤية الدنيا للشعور نحو وطن رحب يقطف
من أغصانه ثمراً لا حدّ له ويلوح له من وراء مشارفه أرض بطولاته الكبيرة .
إن شاعرنا يفيض بالشعور العارم الذي توقدت منه جنته الخضراء بما لا شكّ فيه أنه يمثل طينته التي تمثل الحرية الناصعة المتوهجة في خيط الفجر حتّى اختصر بذاك المضمون الذي قد لا يؤدي غرضه إلا بمقالات عديدة , لولا خبرة شاعرنا في رصف الكلمات في صور جزيلة المعنى رائعة التركيب .
ويهيم شاعرنا بوطنيته حتّى لا يجد اللذة إلا في دم مسيح جديد قد تعلق في مداه دون أن تهزمه المنية , وهو بهذا الوصف الذي لم يجد شاعرنا بدّاً من التوجه إليه قد بعث شهيده مرة أخرى من أرض الجليل إلى أرض الطفّ مبشراً بزوال الجبروت الذي بات على شفا جرف هارٍ موقناً أن الحرية لا تأتي إلا أن يعرج هو إلى السماء وتأتلق عيونه , حتّى إذا ظننا أن نجمة على وشك الأفول نجده يستصغر ذلك الظنّ ويبدي أنه قد سار في قربانه نحو شمس لا تأفل لما في وجدانه من ايمان عليائي متفرد حتّى يولد بصرٌ في النفوس وحرارة في القلوب ونور يفضح الشر وشهامة يندهش منها الصديق قبل العدو , إذ يركب المنية دون أن تتقوض دعائم شجاعته أو تتداعى فروسيته في ميدان , حتّى كأن المسيح قد بُعث بمشنقة هي المشنقة نفسها سابقاً , فالحبل هو الحبل نفسه , والصليب هو الصليب نفسه , والدماء التي تتسرب تحت الرماد هي نفس الدماء, والروح المتجولة في أروقة الردى هي ذات الروح التي أزهقها الظلاميون من قبل في أرض الجليل ، رجل تعلق كالمسيح إلى المدى هزم المنية مفرداً هزم العدا
( رجل كأن الطفَّ في معراجهِ
قصد الحسين بروحه وبه اقتدى
في العنق أثمن ربطة لشهادة
أن المشانق أطرقت لمــــــا بدا )
إن الحبَّ مخاضٌ يبعث على الألم ، والعفة فيه تدفع الى الشكوى ، فما أكثر العاشقين الذين امتلأت حياتهم بالألم والشكوى .
وشاعرنا الشيخ جمال ال مخيف واحد من أولئك العاشقين الذين رأوا الدنيا بمنظار أحال القلق إلى ابتسامة ، وصاغ من العفة هياماً , إذ لم يشكّ يوماً أنه بمنجاة منها , فهو يقف بعيداً عنها إلى أقصى حدٍّ يستطيعه , ولكن شأنه هذا لم يكن ليطول عندما بانت بنت بغداد عن أسِّ ونسرين في ثغرها , وعن بحة الصوت والراء المثقلة في نطقها حتّى ليخيل لشاعرنا أنها كفيروز في قاعة الأوبرا الكبيرة , فتغير الهين الى معضل , وتحول غضّ البصر إلى نظرات نحوها من عينيه الرماديتين العاريتين كعيني النسر.
وكيفما يكون الأمر فأن أشواق شاعرنا قد أصبحت كشعلة براقة لامعة وطأ عطرَ ونعاسَ أجفانها وخالاتِ خديها بما يجعل شاعرنا بين الرياحين سكرانَ بالرياحين .
فالحبّ عنده هو المفتاح النفسي والأمل الكبير الذي لا يتبخر بمجرد تعرضه لأشعة الشمس المتوهجة كقطرة ماء ، محاطاً بألوان الطيف والغزل العفيف في قلبه وروحه وجسده ، وهو ليس ما نعنيه ابداً بالكبت الطويل ، والعنيف ، والجدب العاطفي الذي يوصل إلى لغة مستهجنة تكوّن مركب النقص الخطر عنده لما له من أثر بليغ في توجيه المشاعر والغرائز ، فقد خلت قصائده من الجسد الأنثوي ، وراح يرسم خطوطه بصور تعبيرية رصدت مشاعره وحددت اتجاهات غرامه تحديداً عفيفاً لا انحراف فيه ، فلم يتلهف لصياغة المفردة التي ترسم الأنثى بحدودها الجسدية ولم يكن لديه تلك الرومانسية ذات الأبعاد الثلاثية ليطفئ أوار وجدانه بمفردة تروي ظمأه المشبوب .
لا يعرف شاعرنا سبيلاً للنجاة من قلبه إلا العراف وقد استنجد به مراراً عن أسرار مستقبله المغلّف بالمجهول والمستتر خلف الأبواق التي لم تكن كافية لأنْ يدخل العراف أعماق قلبه ولم يعرف الرغبة المجنونة عنده , والأمل الحلو في استلفات ذلك الجنون وهو ينفض التراب عن أثواب عزلته ليتعلق بخيط دخان غير متحير بمواضع قدميه خشية السقوط , لأنه لا يسقط قبل الأوراق فلا تودي تلك الأتربة التي ينفضها بين الحين والآخر إلا بلمعان أشواقه التي تحتمل الأوجاع جليداً .
( أتعلق في خيط دخان لا أسقط قبل الأوراقِ
فأنا في زمن مجهول مستتر خلف الأبواق )
ومن هنا نجد في شاعرنا إصرار اليائس على التعلق بقشة قد تكون واهية في عشق امرأة قد تصحرت عيناها تحت أغصان أربعينيات العمر يحاول أن يومئ إليها ويهمس في أذنيها وهو الذي يعرفها جيداً سارقة لقلبه , تتبختر وتشدو بلحن الحبّ ,يطلب الرفق بقلبه من سجايا حسنها ومفاتن خلالها في الوقت الذي يستجدي لنفسه الحذر من وصالها ما يكفي لتحطيم قلبه وسلب الراحة والهناء منه ,إنه يتعذب :-
( أذوى الزمان لنا الأجفان واحتطبت تلك الأناهيد عند الصبح نغترفُ )
لكن ما يحير عقله أنه ينهل من رقّة شفتيها عبيراً دون أن يتأسف لما ستحلّ من ندى أو ما ستؤول إليه القبلة من لواعج تزيد , وسُعر تضطرم ودم يحترق , ونار تحيله إلى تراب دون أن يرجو براءً وراحة مما يعانيه , كلّ ذلك الوجدان والقلق انحصر في مفردات عفيفة خلت تماماً من أيّ خدش للحياء لدى القارئ ، ومن أيّ أسفين يدقّ في براءة الشاعر التي تراها معشوقته أنها براءة الذئب ومن أجاره.
محاولة أخرى لشاعرنا في قصيدته (صديقتي الرائعة) يحاول من خلالها أن يتجاوز الحدود التي رسمها لنفسه وأن يفكّ أواصر تراكمات عادات علمتها إياه بيئته الريفية العذبة ، وأن يفكَّ القيود التي كبلتها بها تلك الأجواء حيث النشء الأصيل وتكرار كلمة صديقتي فيها ما يشعرنا أنها غير المرأة التي عرفناها في شِعره ، تلك المرأة المعشوقة التي لا يتعدى إلى سواها من النساء وإن طال به الشوق وبعُدَ الأمد ، تلك التي كانت مصدر شعوره كمّن لا يملك إلا داراً واحدة هي بالنسبة له كلّ ملجئه وملاذه الرحب ، فإذا فقدها فأنه يفقد معها مخاض الحبّ وأمل العثور على مأوى جديد يقيه من ذلِّ الشعور بأنه رجل شريد ، والتكرار هو ما يولّد احساساً لدى القارئ إنَ شاعرنا حاول أنْ يمكّنها من فؤاده ، ويمكّن فؤاده منها دون جدوى تُذكر ، فلم يقنع القارئ انها فاقت معشوقته التي وجدناها في قصائده السابقة التي تمثل لديه الحبّ الروحي والحسّ الريفي العبق والصفحة المفتوحة التي يتخطى من خلالها مرحلة الحسّ الجسدي إلى مرحلة هيام ينجيه من قدَر مكتوب ، فقد كانت تمثل له الوعاء الذي يحوي الهدوء لحسّه الفائر ، والسكينة للفكر القلق ، والحرية للشعور المكبوت ، فهي أشبه بطيف مرّ وإن بَصُرتْها العيون واضاءتها الكواشف , ولا عجب أن تكون الطبيعة هي محرابه الخالد الذي ترددت بين جوانبه صلوات عشقه العفيف ، وشاركته معشوقته في توزيع أفكاره الغزلية التي امتلكت صفة الشمول والتنوع والحرارة والنشاط ، حتّى يُخيَّل للقارئ في قصائده ، ( لاسيما قصيدته امرأة من بلادي ) أن الكلمات قد انبعثت من صدرٍ رسم امرأته التي توضأت بعفَّـتها ، وصلّت بكلّ توجهها في ثرى ملحها ، حتّى بات رسول الشوق في قصيدته (اصداء) وهو يلوّن روضه قبل أن يقفر ، وزهرَه قبل أن يذبل بإحساس هو ذات الاحساس لرجل شرب الخمر فثمل ، فما أن تخلص من نشوة السكر حتّى رأى ذلك البعد في زحام الشوق ، حينها تيقن أنْ لا عيش له بلا عاشقة وإنْ عاش عمراً وطابت له الحياة ، فهو لا يعدّ سنواته إن لم يكن بها عاشقاً , وهو ذاك الذي يعلم جيداً أن عشقه أبدي لا ينتهي بلون واحد أو بريق سريع لمعشوقته التي صورها بمشهد مرئي طار به الخيال متيماً ، ووجد نفسه قريبة من شفاه صمته ، حتى صار لا يقبل لها عذراً ولا يرتجي منها دواء …
( رضاكَ مرارةٌ وجفاكَ قــــــهرُ وقربكَ من شفاهِ الصمتِ هجرُ
وبُعدكَ في زحامِ الشوقِ شكٌ وعُذركَ حــــــسرةٌ ودواكَ مرُّ )
وتلك هي الحقيقة النفيسة التي يدور حول محورها شاعرنا ويقف عندها ليصبح كمَن يرفع المصباح بكلتا يديه ليصل الضوء إلى كلِّ العاشقين من بعيد .

الناقد عبدالباري المالكي

….يتبع…..

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock