ثقافةفني

وظيفة اللغة بين خرق المعنى وفائض المسالك التأويلية

قراءة تحليلية أدبية لقصة "سلوى" للكاتبة خديجة بن عادل

“سلوى” قصة قصيرة جدا

 (في رغبة كأس سافرت؛ حيث حقول البرتقال هزّت وجدها،ختمت أسفارها بقطف من رأسه المثمرة خُطاه الممدّدة ذهابا وإيابا كشفت خجل العباءة.

ــــ أتحبني؟

ـــ “أعجوبة”.. أنتِ سلوى، هاكِ حفنة ماء ورغوة صابون.

تخلصي من الطين، جففي جسدك..حتى ذروته!).

 

….دلالـــة العنوان

(سلوى!) يمكن اعتبار هذا العنوان مستقلا بنفسه، لأنه يحمل تحت كنفه مجموعة من الدلالات قد تسلط الضوء على جسد النص، وقد يكون منتزعا من رحم النص ليضيء مساحة النص العميقة، عنوان “سلوى” محفز للقارئ أن يبحث عن فجوة للدخول إلى عالم النص، واكتشاف جغرافيتهالداخلية.. وأعتقد أن النص تشكل في ذهن المبدعة قبل أن تباشر إبداع النص، وقد يكون عنوان “سلوى” بمثابة ثريا تضيء مضمون النص ليكون ملائما ومنسجما مع الحالات والوضعيات للنص..فالعنوان عتبة مهمة يمكن اعتبارها مفتاحا سريا يمنح للقارئ حرية التجول بين دهاليز النص، ولا يمكن أن نمر إلى النص قبل العمل على تفكيكه لغويا ودلاليا.

(سلوى!) كلمة تدل على كل ما يدخل السرور والانشراح للنفس، عندما يصيبها الغم والهم من أجل تجاوز ونسيان الأزمة، وتطييب النفس بالكلام الحلو والعذب الذي قد يزحزح الذات الأخرى من حالة اليأس إلى حالة الأمل والتفاؤل.. وتبقى دلالة العنوان مبهمة، أهو يعني اسم لأنثى غير معينة؟ أهو يدل على المرأة التي تدخل السرور على الآخرين؟ ما نوع السرور الذي تدخله على الآخر؟ جاءت كلمة “سلوى” منتهية بعلامة التعجب مكررة، وهي تدل على التعجب والانفعال والتوتر، نظرا لغموض هذه الشخصية من حيث حقيقة الدلالة المقصودة.

تحليل خِطاب النص

ا ــــ “في رغبة كأس سافرت”؛ “حيث حقول البرتقال هزّت وجدها”،عملت الساردة على خرق تركيبة الجمل المألوفة، بعدما صدرت كل وضعية بحرف جر “في” في الجملة الأولى،و”حيث” في الجملة الثانية، خرق جميل رغم ما يكتنفه من غموض من حيث المعنى المراد توصيله للقارئ، وهو نوع من الكتابة المحفزة للقارئ ليتعامل مع تأويله بحذر شديد. فالسفر هو الانتقال من مكان إلى آخر، فهل كان السفر في المتخيل أم يجري في الواقع؟ فماذا تقصد الساردةبـ”رغبة كأس” أهو الإناء الذي يُشرب فيه؟ وما الشراب الذي يوجد فيه، الماء أم الخمر؟ فتركيب الجملة خرج عن معناه الحقيقي إلى معنى جديد يفهم من الدلالة الجديدة، فالمراد هو أن البطلة سوف تقدم على ركوب مغامرة ما، مغامرة غير مضمونة العواقب، انتقال من حالة الركود والرتابة إلى حالة الفعل والتغيير في الحياة. فاختارت أن تقدم على تجربة العمل في الحقول، رغم ما فيها من كؤوس الذل والمهانة، ولو كانت حياتها تنتهي بسقيها كأس الموت.

ب ــــ “حيث حقول البرتقال هزّت وجدها”،فالساردة حددت الفضاء الذي سوف تتحرك فيه البطلة “حقول البرتقال” من خلال ظرف المكان “حيث” الذي يدل على الزمان، فلم يعد القصد من السفر مبهما، بل وضحته الجملة التي بعدها “حقول البرتقال”.. فالقارئ يفهم أن البطلة ترغب أن تكون عاملة في حقول البرتقال.. ويمكن للقارئ أن يتخيل عدة تأويلات وتوقعات لسلوك البطلة، فلماذا اختارت العمل في حقول البرتقال دون غيرها؟ هل تعرف صاحب الضيعة؟ هل تعرف أحدا؟ هل لها تجربة سابقة للعمل في الحقول؟ فالساردة لم تكشف للقارئ سبب اختيار البطلة ركوب المغامرة، ولم تقدم شخصيتها؟ من هي؟ ومن تكون؟ ولم تذكر حالتها الاجتماعية؟ هناك فجوات كبيرة سكتت عنها الساردة مما يحفز القارئ على محاورتها والدخول مع الكاتبة في جدال قد تؤيده أو ترفضه.. فمن خلال طرح تلك الأسئلة، يمكن للقارئ أن يكشف النيات الغائبة في نفسية البطلة.. فجملة “هزت وجدها” لا تدل على تعليل مقنع للقارئ. فهل تعليل الساردة فيه مداراة وخدعة للقارئ؟ فهل كان إقبال البطلة على المغامرة قد تم بناء على فكرة تقافزت في ذهنها؟ فهل البطلة جميلة؟ فهل البطلة فاتها سن الزواج؟ هل هي فقيرة أم غنية؟ هل حقول البرتقال هي لأحد من أهلها؟ وهل هي يتيمة؟

ج ـــ “حقول البرتقال تهز الوجدان” فاهتزاز الوجدان مرتبط بالمكان/حقول البرتقال/ مكان أحدث ارتجاجا في النفس والفكر، كأن أشياء كثيرة جدت في حياة البطلة، كانت تفتقدها في الحياة منها: الحنان والعطف، والأنس، والصداقة، والتقرب إلى الآخر، والتكيف الاجتماعي، وآخرها هو الحب.. فتخيلت نفسها داخل حقول البرتقال تغازل أثمارها بيدها، وهي تتجول بقلبها وفكرها بين الطبيعة الخلابة، عسى أن تساهم هذه الحالة في إدخال السرور على نفسها. فرضية أولى..

فانطلاقا من الفرضية الثانية وهي الأقرب إلى مضمون النص، أنها محاولة لتغيير حياتها، وانتقالها من حياة إلى حياة، فحياتها الأولى مجهولة، ولكن ما دامت راغبة في العمل داخل حقول البرتقال، فإنها تنتمي إلى الطبقة الاجتماعية الكادحة. فهل تضرب في أرض الحقول تبتغي فضل الله؟ أم الهدف هو البحث عن مؤنس لها؟ فالبطلة لا تملك مخططا جاهزا لذلك، فهي لا ترغب في الكثير من مسرات الحياة، وإنما هي ترغب في جرعة منتزعة من كأس الحياة، تعمل على إروائها ولو بقدر يسير. وراغبة في تسلية نفسها، أو أنها تبحث عن مؤنس يسليها وتسليته بصفة دائمة. وأعتقد أن الدافع لذلكهو حالتها الاجتماعية المتدنية.

د ــــ “ختمت أسفارها بقطف من رأسه المثمرة خُطاه الممدّدة ذهابا وإيابا كشفت خجل العباءة”؛ جملة سردية طويلة، غير مفصولة بعلامات الترقيم، مما يخلق ارتباكا على مستوى التحليل والتفكيك، إذ لا بد من تجزئتها إلى مقاطع سردية صغيرة، لكي نحصل في النهاية على بنيتها الكلية للدلالة.

ــــ “ختمت أسفارها” الختم هو الانتهاء والوصول إلى نتيجة معينة..فالساردة ولدت حالة انتهاء أحلام البطلة المتخيلة، ودخولها في الواقع، بعدما رسمت صورة للطرف الآخر الذي بقي مجهولا للقارئ، وهو تحفيز للقارئ على ربط حالة ختم أسفارها، بقطف من رأسه المثمرة. هل هناك انسجام بين الوضعيتين؟ هناك تنافر بينهما، ولكن القارئ هو الذي يبحث عن مسوغ للانسجام. فالبطلة تنقلت كثيرا بين حقول البرتقال، وتعددت أسفارها، وأخيرا ختمت سفرها بالاستقرار في الحقل الذي يوجد فيه هذا البطل، وهي عازمة على تفتيش رأسه للوصول إلى مرادها، وهو التقرب لمعرفة موقفه من جهتها، وهل هو قابل للدخول معها في مغامرة متميزة، لا تشبه مغامراتها السابقة في حقول أخرى؟.

ـــ فجملة “بقطف من رأسه المثمرة” توحي أن البطلة وصلت إلى نتيجة مفادها أنها تريد أن تعرف ما يخبئه من أفكار عنها، فمن هو هذا الشخص الموضوع تحت الاختبار؟ أهو المشرف على حقول البرتقال؟ أهو المشرف على توزيع العاملات؟ أهو صاحب الضيعة؟ أهو ابن أحد الملاكين الكبار؟ كل هذه الأسئلة تبقى دون إجابة، لأن الساردة لم تقدم البطل للقارئ، ولم تصرح عن مكانته في الضيعة، فاقتصرت على الإخبار عن تحركاته، وما يحمل رأسه من أفكار أثمرت ونضجت، بمجرد حضور البطلة إلى هذا الحقل الذي يشتغل فيه. فأحس البطل أنها وضعته تحت مجهر المراقبة والتتبع لخطواته الممتدة والدائمة. فالمراقبة تطلبت زمنا، مع تغير في فضاءات جزئية، يمكن أن تكون المسافة التي يقطعها “ذهابا وإيابا” قصيرة أو طويلة حسب اتساع حقول البرتقال.

والسؤال المحير للقارئ: هل كانت تعرفه؟ هل اشتغل معها في حقل آخر؟ هل تسلى بها تسلية عابرة يوما؟ هل تبعته لتنتقم منه؟ هل تريد أن تجدد التسلية معه؟ كل هذه الأسئلة سوف تخلق حالات نفسية معقدة للبطل، منها: الخجل/ الارتباك/ الحيرة /الخوف / التوتر/ الابتعاد/ مغادرة الحقل/ استحضار الماضي/ …فمن خلال هذه الدلالات الغائبة خلقت الساردة حالة “الذهاب والإياب”. وهي حالة رفعت من وتيرة الصراع الخفي والصامت، صراع قد يؤدي إلى فرقعة الأحداث الجامعة بينهما في الماضي، وكشف المستور، وتمزيق كل الأوراق التي تثبت أنه كان على علاقة سابقة بها.

فالخجل صفة طغت على الموقف، وتحولت الحالة النفسية للبطل في تطور ونمو، بعدما رسمت الساردة مشهدا متحركا لا يبتعد عن لقطة مسرحية، إذ يرى القارئ البطل وهو ملفوف بعباءة الخجل وتأنيب الضمير وهو يشخص مشهدا متحركا/ “الذهاب والإياب،/ ولا يستطيع أن يرفع رأسه نحو البطلة.

والواقع أن خطواته المسترسلة هي التي كشفته، فهو يعيش حالة من التردد بين الإقدام والتراجع. لكن جرأته لم تساعده على الفعل والتحرك من أجل حصر الأزمة، وجعلها في طي النسيان. فاكتفى باللف والدوران، “ذهابا وإيابا،” فبقدر ما كانت خطواته ممددة ومتواصلة، بقدر ما كان خجله ينتفض تحت عباءته. خجل كمعيق على فك الصراع الصامت بينهما. صورة شجعت البطلة على البوح برغبتها، فدون مقدمات سألته:”أتحبني”؟.

فالساردة قفزت عن الكثير من المعلومات التي توضح العلاقة الرابطة بين البطلين، فمن خلال سلوك البطل، يتبين للقارئ أنه كان قريبا من البطلة، فيدرك أن خطواته الممتدة ،”ذهابا وإيابا” ما هي إلا مراوغة جديدة، وتعتيم حقيقة نفسه الهاربة من البطلة. علاقة مبنية على مفارقة ضدية صامتة، التقارب في الظاهر، والتنافر في الباطن. مفارقة أدت إلى تولد انفجار صراع كبير، جسدته الساردة في رد البطل ردا عنيفا، يتميز بالسخرية والذل والمهانة، والتنقيص من القيمة.

من جانب آخر، كانت البطلة تعول على جواب واحد هو “نعم”.. فقد ظنت أن خطواته الممدّدة “ذهابا وإيابا/ ما هي إلا حركات محفزة لتوليد التودد والمغازلة!؟ فهل يتماشى القارئ مع اعتقاد البطلة، أم له رأي آخر؟ فهل استطاع البطل أن يتنصل من عباءة الخجل؟ فهل كان المانع حقا هو الخجل في التقرب منها؟ أم أنه سقط في جب الغواية سابقا؟ فالقارئ كذلك دخل في دوامة التأويل وتوقعات سوف يكشفها بتقدمه في متابعة قراءة النص، وهي تقنية تحفزه على إتمام قراءة النص إلى النهاية.

ــــ أتحبني؟ لقد فاض كأس الحياة بجرعة “الحب”.. وكأن النهاية قد انكشفت، على شكل هدف بني من بداية التجول بين حقول البرتقال. فقد جاء السؤال مفاجئا، يعبر عن ما كان يروج من بداية تحركها، سؤال تريد أن تصل به إلى حقيقة تلك الشخصية التي بدت دون ملامح في القصة، فحركته، وتنقله المستمر بخطوات ممتدة “ذهابا وإيابا”تثير الشك والارتياب.

أتحبني؟/ فهمزة الاستفهام لها الصدارة في الكلام، وقد ترد معها (أم) المعادلة، فيسمى الاستفهام تصوريا.

فالاستفهام جاء مركبا من الهمزة، زائد الفعل. “تحبني؟” كأن الشك في الفعل نفسه. فهي بسؤالها غير التام والمختزل، تريد أن تفهم بسرعة الجواب بـ”نعم أم لا”..فالساردة لم تكمل أسلوب الاستفهام بعدما سكتت عن “أم لا “.” أتحبني أم لا”؟ فحبه لها مشكوك فيه، والبطلة تريد أن تعلم هل هناك حب في قلبه أم لا؟ كما استغنت الساردة عن نقط الحذف لتدل عن ما يتم السؤال “أم لا”. لقد تعمدت الكاتبة أن تتلفظ بالسؤال غير تام لتحفز المتلقي أن يقوم بتفكيكه. فالبطلة متسرعة، ومندهشة، ومرتابة، وخائفة من الجواب. مما خلق السؤال التلقائي نوعا من الصراع: صراع داخلي نفسي للبطلة، وصراع خارجي بعدما تمت المجابهة.

 بقلم: الناقد بوعزة الفرحان

 

…يتبع….

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock