دولي

مقابر الأرقام”.. الصندوق الأسود لجرائم العدو الصهيوني ضد الفلسطينيين والعرب

متى تنتصر الرفات على السجان؟ ( 02 )

نواصل في عدد اليوم “مقابر الأرقام”.. الصندوق الأسود لجرائم العدو الصهيوني ضد الفلسطينيين والعرب في جزئها الثاني
فمأساة “قبور ليست لها شواهد” تحيطها الحجارة لتحديدها، ويحمل كل لوح فيها رقمًا؛ ومن هنا جاءت التسمية لأنها تتخذ الأرقام بديلًا عن أسماء الشهداء.

…الموقف الدولي
إن سياسة احتجاز جثامين الشهداء، واحدة من أكبر وأبشع الجرائم الإنسانية، والدينية، والقانونية، والأخلاقية، التي ارتكبتها وترتكبها إسرائيل متعمدة؛ بهدف إيذاء ذويهم وتعذيبهم. وتلك ممارسة منافية لكل الأعراف والمواثيق والقوانين الدولية، لا سيما اتفاقية جنيف الأولى في مادتيها (15و17)، والمادة (120) من اتفاقية جنيف الثالثة، والمادة (130) من اتفاقية جنيف الرابعة. تلك الاتفاقيات التي نصت على حق الموتى في التكريم. وألزمت دولة الاحتلال بتسليم الجثث إلى ذويها، ومراعاة الطقوس الدينية اللازمة خلال عمليات الدفن، بل وحماية مدافن الموتى وتسهيل وصول ذويهم إلى قبورهم، واتخاذ الترتيبات العملية اللازمة لتنفيذ ذلك. قال عبد الناصر فروانة: “ظل التحرك الخجول لبعض المؤسسات الإنسانية وصمت المجتمع الدولي بمؤسساته الرئيسية وعدم الملاحقة والمحاسبة؛ فإن إسرائيل ماضية في سلوكها الشاذ هذا، ومستمرة في ارتكاب المزيد من الجرائم عبر احتجاز الكثير من الجثامين لشهداء فلسطينيين وعرب. وما زالت تُصر على استمرار احتجاز جثامين الشهداء للضغط والمساومة في تحدٍّ صارخ للقانون الدولي”.

…آلية عمل الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين
قالت سلوى حماد، منسقة الحملة، إن الحملة تعمل على ثلاثة أصعدة رئيسية: الأول هو القضاء: عن طريق التوجه إلى المحاكم الإسرائيلية للمطالبة باسترداد جثامين الشهداء؛ بحكم أن هذا الأمر مخالف للقانون الدولي، ودولة الاحتلال ترتكب هذه الجريمة بحق الشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال. الصعيد الثاني: عن طريق الضغط الدولي عن طريق إرسال رسائل وشكاوى إلى المقررين الخاصين في موضوع الاختفاء القصري، والمقررين الخاصين لموضوع حقوق الإنسان، إضافة إلى الفاعليات التي نقوم بها في السفارات الفلسطينية مع المؤسسات الحقوقية الدولية. الصعيد الثالث: نعمل في الصعيد المحلي في الداخل الفلسطيني بفاعليات لا تتوقف من أجل المطالبة باسترداد جثامين الشهداء، بالإضافة إلى رفع الوعي تجاه هذه القضية، ومساندة عائلات الشهداء للمطالبة باسترداد جثامين أبنائهم، بالإضافة للعمل الإعلامي والتوثيقي؛ فالحملة هي الجهة الوحيدة التي توثق موضوع جثامين الشهداء، ونحاول استغلال مواقع التواصل لزيادة الوعي حول هذه القضية، والالتفاف الشعبي والجماهيري لاسترداد الجثامين .

….التجمع الوطني لأسر الشهداء يصدر بيانًا
أصدر التجمع الوطني لأسر الشهداء بيانًا الجمعة الماضية أدان فيه قرار الكابينت الإسرائيلي القاضي بمواصلة احتجاز كافة جثامين الشهداء، قال: إن هذا القرار يؤكد مدى فظاعة هذا الاحتلال وفاشيته ضد الإنسانية. ومن جانبه، قال محمد الصبيحات، الأمين العام لتجمع أسر الشهداء: “قرار الكابينت يكشف مدى تجرد الاحتلال من أدنى المقومات الإنسانية، وعن كمية البغض والكراهية التي يحملها تجاه الشعب الفلسطيني، وكيف لمنظمات المجتمع الدولي التي لا تتوقف عن الحديث عن حقوق الإنسان ليل نهار، مطالبةً بالحريات للإنسان وباقي المخلوقات، نجدها صامتة عندما يتعلق الأمر بممارسات الاحتلال الإجرامية ضد أبناء الشعب الفلسطيني”.

….الاتفاقيات التي تمت قبل ذلك للإفراج عن الجثامين
هناك اتفاقيات عديدة أفرج بموجبها عن جثامين الشهداء، بعضها في إطار صفقات التبادل مع دول وفصائل عربية وفلسطينية، وبعضها في إطار المفاوضات السياسية بين السلطة الفلسطينية وإسرائيل. قال الفراونة: تمكنت منظمة “حزب الله” اللبناني من إجراء عدة صفقات في هذا المجال ما بين الأعوام 1996-2005، ونجحت في الإفراج عن قرابة (231) جثمان لشهداء فلسطينيين وعرب. كما نجحت السلطة الفلسطينية عام 2005 عبر الجهود القانونية والسياسية في استعادة جثامين (15) شهيدًا، وكررت هذا الإنجاز عام 2012 ونجحت في الإفراج عن (91) جثمانًا لشهداء فلسطينيين.” وقد حققت الحملة الوطنية لاسترداد الجثامين عددًا من النجاحات، قالت منسقة الحملة: “حققنا إنجازات؛ فقد قمنا بتحرير 121 شهيدًا وشهيدة من مقابر الأرقام، بالإضافة إلى ما يزيد على 220 من ثلاجات الاحتلال، وما زالت المعارك الدولية والقانونية مستمرة لاسترجاع باقي جثامين الشهداء”.

….لماذا يحتفظ الاحتلال بالجثامين؟
السؤال الذي يتبادر للذهن لماذا تحتفظ إسرائيل بالجثامين؟ على الرغم من أنه عمل غير إنساني ومخالف لكل الأعراف الدولية إلا أن الاحتلال يدعي أنه يحتجز جثامين الشهداء من أجل التفاوض مع الفصائل الفلسطينية، أو من أجل الإفراج عن جنود الاحتلال لديها، وهذا فعلياً ما تحاول الحكومة الإسرائيلية أن تقوم به؛ فهي تشترط للإفراج عن الجثامين أن تقدم لها معلومات أو تعقد صفقة. قال عبد الناصر الفراونة: أولاً: السلوك الإسرائيلي هذا يشكل جريمة إنسانية وقانونية من منظور القانون الدولي. وثانيًا: إن الاحتلال يسعى في محاولة يائسة إلى الانتقام من الشهداء بعد موتهم على ما قاموا به وهم أحياء، ويخشى تأثيرهم وتحريضهم للأحياء من بعدهم. وثالثًا: الاحتلال يستخدم سياسة احتجاز الجثامين كعقاب جماعي لعائلاتهم وذويهم بهدف ردعهم وردع من بقيّ حيًا بعدهم. ورابعًا: أن الوقائع تؤكد أن الاحتلال استخدم ويستخدم جثامين الشهداء لغرض الضغط والابتزاز وأحيانا المساومة. وتضيف سلوى حماد: “وهذا الأمر مرفوض من قبل عائلات الشهداء؛ لأنهم يرون أن هذا حق لهم أن يستردوا جثامين أبنائهم، وهو حق كفلته المواثيق الدولية، فهو حق غير قابل للتفاوض”.

….آلية الضغط للإفراج عن الجثامين
قال رئيس وحدة الدراسات والتوثيق في هيئة شؤون الأسرى والمحرَّرين: يجب علينا أن نجري تقييمًا لأدائنا، وأن نحدد مسارًا جديدًا لطريقنا، وأن نعمل على كافة الصعد وخاصة الجانب الحقوقي والقانوني؛ وهذا يتطلب جهدًا كبيرًا وموحدًا من منظمات حقوق الإنسان بدعم من المستوى الرسمي والفصائلي الفلسطيني. كما يجب إدراج ذلك في أي صفقة تبادل مقبلة على ألا يكون ذلك على حساب “الأسرى الأحياء” الذين نرى أن الأولوية يجب أن تمنح لهم في أي صفقة تبادل. وأضافت منسقة الحملة: مع آلية الضغط ونحن في الفترة الأخيرة مع التعثر الشديد في الاتجاه القانوني بدأنا في التوجه إلى المؤسسات الدولية، قدمنا أكثر من شكوى للمقررين المخصصين بالاختفاء القسري، أيضاً بالمقرر الخاص عن حقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية، ونجتهد لتفعيل هذا الموضوع دولياً.

….هل تسرق إسرائيل أعضاء الشهداء؟!
سؤال يظهر كل فترة: هل تستغل دولة الاحتلال جثامين الشهداء لسرقة الأعضاء؟ وهذا أمر غير مستبعد عن احتلال مثل إسرائيل، ويزيد من تأكيد هذا الأمر الصور التي نُشرت خلال السنوات الماضية لشهداء تم الاحتفاظ بجثامينهم في ثلاجات، وبعد تسليم تلك الجثامين ظهر واضحًا أنها تفتقد لبعض الأعضاء، كما تكون مخيطة بشكل يوحي أنه جرى شقها من أجل إخراج بعض الأعضاء، وروى ذوو بعض الشهداء أنهم دفنوا أبناءهم دون أعين أو أعضاء أخرى. ويمتنع الأهالي عن توثيق ذلك لاعتبارات عديدة أهمها دينية؛ إذ يرفض الفلسطينيون تشريح جثامين شهدائهم، خاصة بعد غياب دام لأشهر أو سنوات في ثلاجات أو مقابر الأرقام.

….شهادات حية
من أهم المؤسسات التي توثق أمر مقابر الأرقام “جمعية أصدقاء المعتقل والسجين” ومقرها مدينة الناصرة، ومن أهم ما وثقته الجمعية عدة شهادات لسكان ورعاة أغنام من منطقة جسر بنات يعقوب، أن جنود الاحتلال كانوا يدفنون مئات القتلى والجرحى الأحياء في مدافن جماعية بمقبرة جسر بنات يعقوب. كما وثقت الجمعية عن أحد أهالي قرية وادي الحمام أن الاحتلال دفن في الفترة من 1970 وحتى 1977 عشرات الجثث في جانب من جوانب مقابر القرية، وأنه دفن بيده 16 مقاتلًا بعد معركة عين البيضاء في 1970، ودفن امرأة سورية ضلت الطريق وهي تجمع نباتات في هضبة الجولان في 1975م.

….والدة آيات الأخرس
في يوم 29 مارس عام 2002 نفذت آيات الأخرس عملية استشهادية في أحد المراكز التجارية بمدينة القدس أدت إلى مقتل 3 إسرائيليين وإصابة عدد آخر، وأصر الاحتلال على احتجاز جثمان آيات، ليتم تحريره ودفنه بعد 12 عامًا. قالت أم سمير والدة آيات: “هذه كانت أمنيتها وهي حية أن يتم عمل عرس لها، والآن تحققت أمنيتها، ما حدث اليوم هو انتصار، هذا اليوم الذي كنت أتمناه، “أن أجيب بنتي من أيدي المحتلين وأدفنها عندي هذا انتصار” وقال والدها محمد الأخرس: “الآن أستطيع أن أزورها في أي وقت في الليل والنهار، هذا عرس فلسطيني، عرس الدم، عرس أولادنا الذين افتقدناهم سنوات، الحمد لله اليوم يرجعون، وإن شاء الله يرجع الجميع وأن يدفنوا بجوار أهلهم”.

….دكتور صائب عريقات
قال الدكتور صائب عريقات، أمين سر حركة “فتح”،إن ما يفعله الاحتلال ليس من أخلاق البشر؛ هناك مقابر الأرقام حيث توجد جثامين من شهدائنا الأبطال منذ عام 1967، منهم الشهيد أحمد يوسف عريقات الذي استشهد يوم 14 أغسطس 1976 ولليوم الـ 80 على التوالي يواصل الاحتلال اعتقال الجثمان الطاهر للشهيد أحمد عريقات، لا يسمحون لنا بدفنه كما يفعل كل البشر عند موت أحبتهم، تم إعدام أحمد يوم 23/6/2020 بدم بارد.

….عقلاء الاحتلال: “لن يعزز معادلة الردع”
نقلت تقارير إخبارية من أهمها ما نقله موقع “واللا” العبري الأسبوع الماضي، أن “الشاباك” يرى أن احتجاز الجثامين عبء إضافي؛ حيث قال نائب رئيس الشاباك “خطوة لا تؤدي إلى ردع منفذي العمليات، خلافًا لسياسة هدم منازل الأسرى والشهداء من منفذي العمليات”. وقال يارون بلوم، منسق شؤون الأسرى والمفقودين: “إن القرار باحتجاز جثامين الشهداء الفلسطينيين من غير المنتمين لحركة “حماس” لا يسهم في المفاوضات الرامية لإعادة الأسرى في قطاع غزة”. أما غانتس وزير الجيش، ورئيس أركان الجيش “أفيف كوخاني” فكان لهما رأي آخر حيث يعتبران أن احتجاز الجثامين سيكون مفيدًا للمفاوضات بشأن الإفراج عن الأسرى الإسرائيليين”.

…مقابر الأرقام في الإعلام العبري
ننقل للقارئ هنا مقتطفات من الإعلام العبري، ذكر فيها مقابر الأرقام: أقيمت أوّل مقبرة أرقام عام 1969 بين نابلس وأريحا، قرب جسر دامية في غور الأردن، وهي مغلقة الآن. “معاريف” المقبرة الثانية أقيمت بجانب جسر بنات يعقوب بالجليل الأعلى، ونقلت إلى الموقع العسكري “عميعاد”، وهي المقبرة الوحيدة النشطة والمعروفة إعلاميًا. “يدعوت أحرنوت” مقبرة خان أرنبة دفن فيها نحو ألف شهيد سوري ارتقوا خلال حرب أكتوبر 1973، وتمّ التعرّف على هوية ما يقارب 400 منهم، وتحررت عقب الحرب. “معاريف” وصل عدد مقابر الأرقام إلى 6 مقابر، وسط تكتم حكومي تام عن أماكنها، ومخالفات عديدة تتمثل بتكرار الدفن تحت نفس الرقم، دون أي طقوس دفن صحيحة. “معاريف”

…ختاماً:
نعم، هي إسرائيل وحدها التي تمارس هذا السلوك كسياسة، ولا أحد سواها، وليس هناك من دولة أو جهة أو قوة في العالم تمارس هذا السلوك بشكل ممنهج وعلني وثابت في كل الأوقات والأزمنة؛ فإسرائيل هي الدولة الوحيدة في العالم التي تعاقب الموتى وتنتقم منهم ومن عائلاتهم، بل وتمنع العائلات من الوصول إلى أضرحتهم في مقابر ما تُسمى بـ “مقابر الأرقام”.
* أعد التقرير- محمد البلقاسي – مصر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock