صحة و مجتمع

كيف تكون التربية الناجحة لذوي الاحتياجات الخاصة؟!

التعليم المنزلي المبكر أصبحت خطوة أساسية

تفقد الأم بسمتها عندما تلد طفلاً من ذوي الاحتياجات الخاصة، وتعتقد أن حياتها قد توقفت، أو أنها أنجبت طفلاً لا يحتاج إلى تربية، وواجبها معه إطعامه وفقط!
يجب أن يدرك الآباء والأمهات أن فكرة التعليم المنزلي المبكر أصبحت خطوة أساسية لتنمية مهارات المعاقين، وذلك كمرحلة لإعدادهم قبل المدرسة، ليستطيعوا مواكبة زملائهم تعليمياً بسبب ما يعانونه من التأخر الاستيعابي والدراسي، التعليم المنزلي المنظم يعمل من خلاله الوالدين مع المتخصصة المعنية بتجهيز برنامجاً تعليمياً متكاملاً للطفل في المنزل، من خلال متابعة حالته بانتظام من قبل المتخصصة، التي تحدد نقاط ضعفه ونقاط تميزه، وبها تعد برنامجه التعليمي الخاص.والمبادرة النفسية الإيجابية من الوالدين، وعزيمتهم وقناعاتهم بأهمية التعليم المنزلي، تساعد الطفل على اجتياز المراحل المختلفة بنجاح مع سرعة استيعاب معقولة، فهذا يبث للطفل ثقته بنفسه، فالأم تختار متخصصة متميزة يكون لديها قناعة بأنها سوف تحقق نجاحاً تظهره في هذا المعاق!

……تجربة نجاح

تشاركنا في هذا الموضوع السيدة نذيرة ب بتجربتها المتميزة في تنشئة ابنها، حيث اطدت انها اهتمت بالتربية والتعليم في آن واحد، هذه الأم التي أدركت أن عليها عبء إضافي، ومجهود جبار، حتى تقابل ربها وقد كفت ووفت مع هذا الطفل.تقول: ” دمج ابني في المجتمع ليس عملية سهلة، فقد أخذنا وقتاً طويلاً لنأخذ هذا القرار، وواجهتنا صعوبات من المجتمع حولنا، وكنا نسمع يومياً في المدرسة سواء من المعلمين أو أولياء الأمور أنه يجب أن ننقل ابني لمدرسة خاصة، حتى يتعلم جيداً، ولا تتحطم نفسيته، وحتى لا يتعطل التلاميذ العاديين!كانت بدايتي من المنزل في تقبل الطفل كما هو، والقناعة الداخلية من أفراد الأسرة بأن المعاق إنسان ولديه أيضاً قدرات يستطيع أن يظهرها وينجح، وكنت أرفض أي شخص لا يتقبل ابني، بل وكنت أقطع تواصلي مع من يتعاملون معه كأنه مجنون لا يفهم، بل أثبتت بنجاحه أنه كغيره من الأطفال يستطيع عمل الكثير!
…..التوازن مطلوب

ترددت على العديد من المراكز لذوي الاحتياجات الخاصة، وكانت كلها تهدف إلى الربح بغض النظر عما قام الطفل بتحصيله، أو الاستفادة التي عادت للطفل، فقررت تركها والعمل معه بنفسي، تعبت جداً معه خلال مرحلة ما قبل المدرسة من عمر 2-5 سنوات، وفرغت نفسي له تماماً وقدم لي زوجي وأخوته الكبار يد العون، حتى جاءت المرحلة الثانية وهي دخول المدرسة، وبالطبع رفضته كل المدارس التابعة للدولة، وكذلك المدارس الخاصة العادية، لم أيأس وقررت أن يدرس في المدرسة الخاصة، رغم أنهم يتعاملون مع الأطفال كأنهم مجانين، وكنت أبكي لأني أترك ابني معهم، فقد كان عندي قناعة شديدة أنه يستطيع أن يحقق نجاحاً في المدرسة العادية لكن لم يكن لدي هذه الفرصة.أحضرت كتب التمهيدي من المدرسة العادية، وبدأت مع ابني في البيت، وكان هذا منهج مختلف عن منهج المدرسة، فقد رفضت المدرسة تدريسه بحجة أن الأطفال المعاقين لن يستوعبوا المضمون، وكنت أقوم بإعداد واجبات منزلية له، مثله مثل باقي أخوته، وكان يتشجع بهم، بل كنت أرى معلمته في المدرسة الخاصة ما حققه في البيت، لكن أصرت المدرسة على رفض المنهج العادي، فأخذت قراراً صعباً بنقله للقسم التمهيدي بمدرسة عادية، وكان وقتها 8 سنوات، لكنه اندمج وأحب المدرسة، وكنت أذاكر له مع أخوته فترات طويلة، وأترك يوم الجمعة للنزهة واللعب، حتى يخرج طاقته ولا يمل، وكانت فرحة الأسرة عندما انهي مرحلة التمهيدي بتقدير ممتاز، وتمنيت أن أحمل شهادته واذهب لكل من يعايرني لأثبت له أن ابني مثل ابنه تماماً!
……صعوبات لا تنتهي

ورغم هذه الشهادة لم أستطيع أن أسجل ابني بالصف الأول، فقد كبر سنه – 10 سنوات، وذهبت للوزارة التعليم وعرضت حالة ابني، وراسلت جميع الجهات، وطلبت إجراء اختبار التقييم ونجح في كل المواد، وقبل في مدرسة تعتمد سياسة الدمج لكن القسم الواحد به 30 طفل! فكيف سيتعلم ابني بينهم، ومدرسة أخرى لم أجد بها متخصصة أصلاً تستطيع التعامل مع ابني، فالدمج يعني فريق متكامل من الأخصائيين يعملون على رفع مستوى الطفل ودمجه بالمجتمع تعليمياً واجتماعياً!وأخيراً عرض علينا أحد الإداريين بالوزارة مدرسة في ولاية أخرى، لكنها كانت مدرسة مؤهلة لابني، وكانت بها معلمة تخصص صعوبات تعلم، فاستخرت الله تعالى وشجعني زوجي على الانتقال للسكن الجديد.وبدأ العام الدراسي وكان ابني بمعنويات عالية وهو يذهب للمدرسة صباحاً مع أخوته بالزى المدرسي، وكان يقلد زملاءه في كل شيء مما ساعده على سرعة التعليم والتأقلم، ووجدت من المعلمة المرافقة له دعماً كبيراً، وكانت تقف بوجه كل من يعترض، وكانت تؤهل زملاءه بأن يتقبلوه ويساعدونه حتى يأخذ مكانه بينهم، وكانت تذكره بدخول المرحاض كل ساعة، وتساعده خلال اليوم الدراسي حتى لا يشعر بالاختلاف عن باقي زملائه، وأقامت له حصص للتقوية، وكانت تتعب معه كثيراً في أن يلتزم بالهدوء في القسم، وحركته الكثيرة، واختفاءه المفاجئ أحياناً ليجدوه في مكان في المدرسة يلعب وحده مع القطط!
…..بناء الثقة
كنت أشجع ابني بأن يهدي التلاميذ معه بعد الأدوات المدرسية البسيطة، وأقمت حفلة تشجيعية له في المدرسة، وكنت أقوم بدعوتهم مع أمهاتهم للبيت للتعارف وتقوية العلاقات، لأنهم في البداية كانوا يخافون منه ويظنون أنه عنيف وقد يؤذيهم!وخلال العام الدراسي الأول وجدت تطوراً كبيراً في مستوى ابني الدراسي، وزادت ثقته بنفسه، بدأ يتحدث معنا ويصف ما يمر ويشعر به، وصار أفضل في التجاوب مع من حوله، وقلت حدته وعصبيته تماماً، وذهب الانطواء بفضل الله، وتحسن مستواه التعليمي، وتحسن في الكتابة بشكل ملحوظ، وتحسن مستواه السلوكي، وتعلم الكثير من القيم الجديدة، كالتعاون، والعطاء، والصبر، وأصبح مندمجاً في المجتمع ، في الملاهي، في السوق، في المراكز الرياضية وغيرها، أصبح يتحدث مع من حوله ويفهمونه جيداً.. وأخيراً حصل على 86% هذا العام!
مر العام الثاني والثالث من التعليم الأساسي بسلام، وهو الآن في الصف الرابع، المنهج كبير لكنني أسعى أن يكمل للنهاية بإذن الله، فلا أضغط عليه حتى يكون طبيباً أو مهندساً، لكنه يجب أن يكون فعالاً في المجتمع وليس عبئاً”.
….مراحل التأهيل

وعن قياس فعالية تجربة التعليم المنزلي تقول المشرفة المتخصصة بمركز أطفال التوحد : “ًّيسعى المركز لتشجيع أمهات المعاقين على تبني هذه الفكرة، نظراً لظروف قلة المدارس التي تقبل بدمج الأطفال مع العاديين، ونظراً لقلة مراكز ذوي الاحتياجات الخاصة خارج العاصمة، نجد الكثير من الحالات أن الطفل يعاني من تأخر التعلم، فهو لم يقبل بدمجه من البداية، ولا يمكن أن يكون في المدارس الخاصة لأن حالته جيدة، وبالتالي يأتي التعليم المنزلي المبكر وسيلة فعالة لتأهيله لعملية الدمج خلال عامين من المتابعة المنزلية.وعن اختيار المتخصصة تضيف قائلة: “يهتم المركز بتعيين المتخصصة المناسبة التي يتعلق بها الطفل، أو يحقق معها نجاحاً واستيعابا سريعاً، والبدء المبكر يحقق تفوقاً ملحوظاً للطفل بين أقرانه، ويظهر ذلك جلياً في سن العشر سنوات، وقد تقع الأمهات في مشكلة تغيير المتخصصة بشكل مستمر، أو الانقطاع وعزل الطفل في البيت، فيضطر المتخصص بالبدء من جديد، مما يعرقل عملية التعلم المبكر .كما أن المبادرة النفسية الإيجابية من الآباء والأمهات، وعزيمتهم ، وقناعاتهم بأهمية دورناً، تساعدنا وتساعد الطفل على اجتياز المراحل المختلفة بنجاح، فقد تظل الأم محبطة، ولا تتجاوب معي خلال الجلسة المنزلية ويكون لديها قناعة أن ابنها لم يحقق شيئاً، فأجد أن الطفل يظل في مرحلة معينة لأكثر من 5 جلسات بسبب ما تغرسه فيه، في حين أن تجاوبها معي، واستكمالها لدوري بعد أن تنتهي الجلسة بشكل ترفيهي للطفل يساعده على سرعة الاستيعاب”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock