محلي

التفاعل الإلكتروني بين الأساتذة والطلبة يدفع إلى الاهتمام والتحفيز والإبداع

التعليم العالي في الجزائر زمن «كورونا»

الجزء الثاني والأخير

ترصد “الـمغرب الأوسط” كل حين مقالات الكُتاب في مجالات الفكر والفلسفة والدِّين والتاريخ والاستشراف والقانون والنشر والإعلام والصحافة والتربية والتعليم والأدب والترجمة والنقد والثقافة والفن وغيرها، وتنشرها تكريما لهم، وبهدف متابعة النقاد لها وقراءتها ثانية بأدواتهم، ولاطلاع القراء الكرام على ما تجود به العقول من فكر متوازن ذي متعة ومنفعة.

….الدكتورة حورية بن يطو «أستاذة جامعية»

تجربتي عبر «واتس آب» مع طلبتي أتاحت لهم تقديم عروضهم بكل بأريحية

.. بل وقد يكاد يكون الإجماع بين المشتغلين في حقل التكنولوجيا والمهتمين بالبحث العلمي في الجامعات العالمية المتقدمة، على أن التعليم الإلكتروني أو التعليم عن بعد ، يعدُ إضافة نوعية للمؤسسات العلمية التي وظفت إيجابيات العولمة واستفادت من تقنياتها المتنوعة، تمثلت في أهمية المشاركة والتفاعل بين الأساتذة والطلاب في العديد من المؤتمرات المهنية والندوات العلمية التي تزايدت على تقنيات التواصل الرقمي في أنحاء مختلفة من العالم مما يساعد على نقل أفكار جديدة للطلاب وتيسير عملية التعلم، وقد كان هذا النوع من المشاركة بين الباحثين صعبا جدا في ظل الأشكال التقليدية للتعليم.
ومن المفارقات التي يجدر تسجيلها ـــــ ههنا ــــ أن التعليم عن بعد والتعليم المفتوح ليس شيئين مترادفين، فالتعليم المفتوح يعد فرصة تعليمية ثانية تتاح لمن حرموا فرصة التعليم النظامي- التقليدي، لكي يكتسبوا المعارف والمهارات المطلوبة في برامج التنمية المتاحة ولكل راغب في مواصلة دراسته العلمية أو المهنية سواء أكان في دورات طويلة أم قصيرة أم شهادات مهنية أم جامعية، وهو ما يشير إلى انفتاح الفرص أمام الأستاذ والطالب بإزالة الحواجز التي تتمثل في القبول والمكان والزمان والأسلوب والأفكار.
ومن هنا، فإن التعليم المفتوح يرتبط في أغلب الأحيان بالتعليم عن بعد، أما التعليم عن بعد في شكله النظري هو طريقة للتعليم يكون فيها المتعلم بعيدا عن المعلم في المكان والزمان ولا يوجد اتصال شخصي بينهما، ولكن بدل ذلك تستخدم وسائط تكنولوجية متعددة لنقل التعليم وتوصيله إلى المتعلمين تعتمد على المواد المطبوعة والمسموعة والمرئية والحركية.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما مدى جاهزية الطلبة في التعليم عبر تقنيات التواصل الحديثة بديلا من الاكتفاء بالتعليم التقليدي الذي ألفوه، وعلى النحو الذي يضيف قيمة محمودة تحفز الطالب على الاقبال عليها ويلتزمها بصورة معقولة وناجعة؟.
لا يمكننا الاشتغال بفك هذه الاستفسارات المشروعة، والمتصّلة بإشكالية البحث أصلا، لكن يمكننا استثمار بعض الوسائل الإجرائية والمقاربات التواصلية المعتمدة في التعليم عن بعد، من خلال توصيف تجربتي الجامعية في التعليم عن بعد مع طلبتي باستخدام تطبيق «واتس آب» صورة وصوتا بصفتها وسيلة تعليمية فعّالة وموجّهة على نحو إيجابي ومميَّز أتاحت لهم فرص تقديم عروضهم بكل أريحية في طرح المادة العلمية وشرحها، وفق النمط الذي تقتضيه طبيعة الموضوع المقدّم، ومن خلالها يكمن تقييم طلبتي وفق مستوى أدائهم الذي يختلف من واحد إلى آخر ، غير أن حديث المعنيين أثناء الجواب عن السؤال نفسه بالطرق التقليدية، نلاحظ أنهم يركزون فقط وبشكل مكثّف على حضور الطالب وتقديمه للعمل البحثي دون أخذ الأسباب الأخرى بالاعتبار، مع أنها أسباب تبدو جوهرية ساعدت على فشوّ ضعف الطالب في الجامعة، وصارت الأبحاث تكتب على ما يشتهي أصحابها غير آبهين بالتلفظ ودقّة الفهم وسلامة التعبير .
ومن هذا المنظور يمكن القول إن الاستخدام الإجرائي المعتمد في فضاء التعليم عن بعد، يرتبط بأهداف واضحة ومحدّدة للطالب، يستطيع من خلالها أن يجيب بشكل أوضح عن السؤال: من أنا؟ وماذا أريد؟ وتأكيد للمفارقة بين التعليم التقليدي المبني على الاتصال التفاعلي المتبادل بين الأستاذ والطالب وجها لوجه والتعليم عن بعد الذي يعتمد على ذاتية الطالب بالدرجة الأولى، ولهذا يجب تحديث النظر في التعليم الجامعي وتصميم محتواه طبقا للممارسات التجريبية :(الأهداف – المساق، الاحتياجات، بلوغ المرام).
وتحيلنا قضية التركيز على الأهداف في حالة الاشتغال بالتعليم عن بعد، على ما يحتاجه الطالب ــــ باعتباره الطرف الأساس والفاعل في العملية التعليمية ـــــ من مُكنة علمية وعملية يستطيع أن يتجاوز بها صعوبات التعلم، وتتمثل في مجموعة من القدرات والمهارات التي تنبئ عن كفاءته التواصلية في بناء المعرفة كالقدرة على التعليل والتوضيح والتمثيل والبناء والتحاور بينه وبين والأستاذ عبر الخط المباشر، وذلك من خلال المناقشة والتعليق على محتوى المادة الدراسية المقدّمة، والتمرن على قراءة المفاهيم الرئيسية لها، ولعلّ أكثر ما شد انتباهي في مدارسة الطلبة لأعمالهم هو قُدرتهم على عرض أعمالهم العلمية في جانبها التطبيقي الإجرائي بشكل مُميّز، حتى يقتنع الأستاذ فكرا ووجدانا بمدى أصالة بحثه الذي يبعث على الشعور بالاعتزاز والأريحية، وهو ما يعزز شخصيّته ويسمح له بالعمل والمتابعة بما فيها شغف وملاحقة، بعيدا عن التعقيد والغموض.
وبالتالي فإن هذه الممارسة التفاعلية التخاطبية تدفع الطالب إلى المتابعة والانتباه بجدية واهتمام وتحفزه على الإبداع، على عكس التعليم النظامي القديم الذي وسم نمطه في الجامعات والمدارس الجزائرية بالثبات والسكون والاستقرار ، وكأن لهذا النظام التعليمي منهجا يزرع ثقافة الطاعة والسكون، وهزيمة الذات وإحباط فطرة الإنسان في حب الاستطلاع والتساؤل، فهي كلّها عناصر شائكة تزيد الأمر تقاعسا وحرجا للطالب.
ولعلّ المتصفّح للمقررات الدراسية في التعليم النظامي القديم الموّجه للأستاذ يرى فيه جملة من النقائص غطتها بعض الحسنات التي تسعى لتنمية المهارات والقدرات التي من واجبها أن تحقق من خلال جملة من الأهداف وهي نتائج متوقعة من الطالب بعد مدة من تكوينه، وكأن الأستاذ يقوم باستحضار التراث الأدبي بحفظه ونقله إلى الطلبة وفق التسلسل المنطقي من البسيط إلى المركب ومن الخاص إلى العام، ومن المحسوس إلى المجرد.
وكلّما تمكن الطالب من ترتيب جوانب حياته العلمية التعلمية وتنظيمها في حدود ما يمكن حدوثه، وتقييم واقعية أهدافه من خلال عناصر الاهتمام والرغبة والقدرة والمرجع والتحدّي، ومدى اطلاعه وتنوع معرفته، واعتماده على تقنيات التصحيح والتصويب بمفرده وأدوات تحليل لسانيات الخطاب في المقاربات النصّية المقترحة عليه بكل تلقائية، وكذا تعميق مهاراته الاتصالية بإشراكه المباشر بصفته مساهما وليس متلقيا.
من هنا، يصبح الطالب عن طريق هذه القدرة التواصلية الهائلة منتجا ومبدعا بصورة أنجع وأصدق، وهذا فيه تطابق إلى حدّ بعيد مع ما قامت به الباحثة الأمريكية تريزا أمابيل مع ستان كريسكويتش بدراسة العوامل التي تؤثر على الإبداع لدى العلماء، وجاءت النتائج لتؤكد ما سيمونه «مبدأ الدافعية الذاتية للإبداع» الذي مبعثه الاهتمام الشخصي بالعمل أو الشعور بالتحدي إزاء عمل ما.
وتأسيسا على ما ذكرناه سابقا، فإن التخطيط الجيّد في العملية التعليمية يكشف بوضوح، إمكانية الركون إلى معطيات الطالب واستلهام اتجاهاته الفكرية ذات البعد النفسي جراء الاهتمام بسيكولوجيته بصفته هدفا أساسيا للعملية التعلمية، وربما هذا ما قصده الباحثون والتربويون من التعليم عن بعد، وكل ما يحتاجه الأستاذ هو نشاط مخطط ومنهجي يتضمن اختبار وإعداد وتقديم المواد التعليمية، وأيضا الإشراف على الطلاب وتدعيم تعلمهم بتخطي المسافات «الفيزيقية» بينهم عن طريق أحد الوسائط التكنولوجية المناسبة على الأقل.
بالتأمل في بنية هذا التخطيط، يتبيّن لنا أن التعليم عن بعد أو التعليم الإلكتروني خصوصا هو أحد أكثر نظم التعليم انتشارا في الوقت الحالي، إذ يُكوِّن لنا الطالب الفعال القادر على صقل مهارته وتنمية قدراته المعرفية على نحو متواصل أكثر مما كان عليه داخل الفصل الدراسي أو القسم، وأصبح بالإمكان أن يتحاور ويتفاعل الطالب والأستاذ عن طريق هذه التقنيات الحديثة تفاعلا إيجابيا يحقق للطالب الفهم التام لنشاطه وأدائه الجامعي، ويحقق للأستاذ وعيا باحتياجات الطالب ونقاط الضعف والقوة عن طريق التقييم المستمر لمستواه العلمي بما يضمن تقدير إمكاناته وتوجيهه الوجهة التي تحقق الهدف من العملية التواصلية التعلمية بأعلى كفاءة ممكنة.
وواضح أن هذه الصّلة الوثيقة بين الأستاذ والطالب هي ما جعلت بعض المختصّين في التعليم يرون أن التدريس ليس مجرد نقل المعرفة وتلقينها أو الحث على الحفظ والاستظهار، وإنمّا يتطلب معرفة أصول التدريس وقواعده ممن يعدّون أنفسهم لمهمة التدريس، وقيمة ما لديهم من استعداد لهذه المهمة الشائكة التي تأبى العيش في ظلال ثابتة إلا من جرَوا على عرق وعملــــــوا على شاكلة «اللوجستيين» للمؤسسة أو المشروع جعلوها حلوة يسيرة قابلة للفحص والاختبار ، ومعيارا بها يرفع التعليم إلى مستواه الذي يستند إلى جملة من القواعد والمبادئ عند ممارسة التدريس والتفاعل مع الطلاب.
وقد شهدت الجزائر على غرار البلدان العربية مراحل تطورية في التدريس، إذ كانت بدايته الأولى بالمضامين لتتحول إلى طريقة التدريس بالأهداف وصولا إلى التدريس بالكفاءات، ذلك أن التدريس الجيّد يشمل قدرة المدّرس على تنظيم مجموعة من الطلبة وإدارتهم وضبطهم بأقل قدر ممكن من التخبط ، ومع ذلك فإن هناك من يعتقد أن التدريس وسيلة واحدة من الوسائل المؤدية إلى التعلم.
إنه الفضاء الذي يدفع الطالب عبر هذه المحادثة التعليمية الإرشادية إلى زيادة الحوار والتفاعل البيني من خلال المادة العلمية المطروحة في مقررات معدة سلفا، بشكل مميّز يجعله يضبط الغايات التعليمية المتوخاة والأهداف المنشودة ، كما أتاحت له هذه التخاطبية تخطي الحواجز والحدود التي ألفها في حجرات الدرس أمام الجماعة، وهذا ما يعزز شخصيته وينمي مهاراته وقدراته على الإبداع والتفكير.
من هُنا، يتّضح لنا أهمية هذه التّقنية الحديثة التي تُعد مرجعا مهّما ييسر عملية التّفاعل بين الأستاذ وطلابه من مرحلة التلقين إلى مرحلة التوجيه والتشارك.

إعداد:جمال بوزيان

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock