ثقافةفنيمساهمات

الشعر قضية، وهدفي أن أصير شاعرا ناجحا متميزا

الشاعر فارس بيرة في حوار لـ«المغرب الأوسط»:

حوار:الدكتورة سامية غشير

تنفرد «المغرب الأوسط» بحوار مع الشّاعر فارس بيرة.. هو شاعر روّض الحرف، واعتنق التّجريب الشّعريّ، حمل شعره راية التّعبير عن القضايا الذّاتيّة، والمجتمعيّة، والإنسانيّة.الشّعر محميّ في معبد الحرف الرّاقي، له فرسانه وأباطرته، مسيّج بحرّاس الكلمة الرّاقيّة، مفتون بعوالم التّجريب الآسرة، يقدّم في حضرته صولجان الإنسانيّة، وتاج الوقار، لتظلّ أساطير ألوهيته تتُلى في صحائف العظمة المزخرفة ببهاء المبنى وجلال المعنى، وقداسة الشّعور، وسموّ الموقف الشّعريّ.

…من فارس بيرة؟

إنسان يحمل ما يحمله من قلق الوجود، ممتلىء بأسئلة الحياة وهواجس الذات، أحد الشباب السائرين في طريقِ الحقيقة على كتفِ المجاز.

….كيف ظهرت موهبة الكتابة عند فارس بيرة؟ وهل للبيئة السكيكدية أثر بارز في صقل موهبة الكتابة عندك؟

في البداية كنت أحاول أن أضع قدمًا على درب الكتابة، كنت أميل إلى الشعر وإن لم أستطع في البداية ترويض هذا الوحش الأدبي الصعب المراس، فكنت أكتب ككل التائهين المبتدئين في سنواتي الجامعية الأولى، كما كنت أكتب شيئا من القصة القصيرة بالمزامنة مع شغفي بالشعر وإيماني التام بأني سأحسن ترويضه يوما ما، كنت مزامنة مع محاولاتي الشعرية المبتدئة أقرأ الشعر بكل أنواعه، وأحاول كل مرة أن أكتب شيئًا يشبه ما قرأت لدرجة التقليد في بعض الأحيان.
ولأنه لا يمكن أن ينطلق شاعرٌ من فراغ دون الاتكاء على تجارب سابقة جادة ومخالطة شعراء جمعوا بين الموهبة والإبداع والإنسانية، كانت لي تجربة خاصة مع أصدقائي الشعراء، ندماء شعري؛ محمد بوثران، شمس الدين بوكلوة، بلال ماط، وقد كانوا الأوائل ممن دعوني لكتابة الشعر بجدية، والالتحاق بالركب، لنكوّن معًا جماعتنا التي يعرفها الكل باسم جماعة “بين الويدان” ربَّما رأوا فيَّ شاعرا لم أره أنا في نفسي، وقد راهنوا على نجاحي في كتابة الشعر، وهكذا بدأت أكتب الشِّعر.

….من أثر في رسم ملامح تجربتك الإبداعية؟

بالإضافة لأصدقائي الشعراء كما ذكرت ، كان لشعراء آخرين شغلوا الناس وملؤوا الدنيا دور كبير في شغفي بالشعر، فلا يملك أي شاعر سوى الوقوف باحترام وإجلال أمام ما تركوا من قصائد خالدة، وهم من رسموا في حياتي ملامح الشاعر الذي كنته وسأكونه، فكنت شغوفًا بشعراء كبار أمثال المتنبي والسيّاب ونزار ودرويش.

…..يظهر ميلك الكبير للشعر.. هل هذا راجع إلى قراءاتك الكثيرة للنصوص الشعرية وتأثرك بفحوله، أم إلى توجههك الأكاديمي؟

بشأن التوجه الأكاديمي سأكون جاحدًا إذا قلت أنه لم يخدم شغفي بالشعر وتوجهي لكتابته، كيف لا وقد كان أول ماوقفت عليه بحب ورغبة في قراءة التراث الشعري، قد بدأ في عامي الأول من التعليم الجامعي ضمن مقياس الأدب الجاهلي، وكنتُ أذكر كيف أقف بمنتهى الاهتمام بينما أستاذ مقياس الأدب القديم يشرح لنا المعلقات، ويمرُّ بنا على أجود ما قيل في الشعر العربي الجاهلي والأموي والعباسي والأندلسي، مرورا بشعر الصعاليك، وكان هذا أحب المقاييس وأقربهم إلى قلبي.
لكن وكما سبق وأن قلت إنه ليس شرطا أن يكون الإنسان أكاديميًا حتى يبرع في فهم وكتابة الشعر، فالأدب لا يولد داخل أسوار الجامعة، والشعر سلوكُ كغيره من السلوكات، يولد بعيدا، هناك في المناطق البعيدة النائية، يولد في الشوارع والحارات، في المقاهي الشعبية، في المنافي والفيافي، باختصار الشعر لا يعترف بالنظام بل يولد حرًا متمردا لا يستقر وتره على حالٍ.

….كيف يخدم النقد الشعر؟

لو لم يكن الشعر لما كان هناك نقد، فالشعر هو المادة الأولية للنقد، وكلّما كان هناك قصائد جميلة كلّما كان هناك نقد جيد، وكلّما أوغل الشعر في متاهات السؤال كلّما كان النقد أعمق وأرقى وأنفذ.

….هل النقد العربي بناء وموضوعيا، أم تغلب عليه الأحكام الانطباعية والمجاملات؟

في حديثنا عن أجود التجارب النقدية، أفضّل دائما أن أضع نصب عينيَّ تلك النماذج الأرقى من النقد العربي، لأن القضية تقاس بما هو أسمى وأرقى، فالنقد العربي القديم الذي وضع أسسه علماء الأدب واللغة الأوائل أمثال؛ الجاحظ والجرجاني والسكاكي والآمدي وحازم القرطاجني.. هو وبدون أدنى شك أعلى مراتب الجدّة والجودة، لم يركن إلى مجاملة قط ولا إلى تناول تجربة رديئة قصد إرضاء جهة معينة، كما لا يفوتني أن أذكّر أن هناك تجارب نقدية كانت بمثابة ثورة في مسار الشعرية العربية، أمثال؛ العقاد والرافعي وطه حسين.. والحقيقة عند ما نتحدث عن النقد في زماننا ولو اختلفت المناهج وتعددت وجهات النظر، يجب أن نقيس بما قدّمه العرب الأوائل للنقد العربي كافة وما محل النقد العربي المعاصر من ذلك؟!.

….كيف يمكن للشعر أن يحقق تجربته؟

الحديث عن التجربة حديث شائك، إذ لا يمكن أن نتحدث عن تجربة ما ما لم تكتمل ملامحها، والتجربة في نظري تتعلق بأمور عديدة أولها ما يتعلق بالشاعر في حد ذاته وثانيها ما يتعلق بقضيته، فلكل شاعر قضية ما يحملها داخله، يحفر ملامحها في صخرة اللغة، ويعجن عالمه الفكري ليشكّل رؤية خاصة، ويعيشها حقيقةً لا مجازا.

….نلت جوائز مهمة في مسابقات جزائرية.. كيف كان شعورك؟ وهل الجائزة تمنح الكاتب التميز والنص الخلود؟

الجائزة لا تمنح الشاعر التميز دائما لكنها تمنحه الخلود، فكل جائزة هي في نظري فرصة لتمنح صاحبها لحظة خالدة لا يمحوها الزمن، فشخصيا ذقت طعم الفوز بجائزتين وطنيتين، كنت فيهما الفائز الأول في المرتين، «جائزة فارس القوافي الشعرية» التي نظمتها دار الثقافة محمد سراج بسكيكدة عام 2019، بالإضافة لـ«الجائزة الوطنية للشعر» التي نظمتها الوكالة الوطنية للإشعاع الثقاقي تحت الرعاية السامية لوزارة الثقافة عام 2020، وكنت أيضا الفائز الأول في فرع الفصيح، فالجائزة تمنحك نفسًا جديدا لإكمال المسار، وهي جرعة من الإيجابية باختصار شديد.

….هل يطمح فارس بيرة إلى الكتابة في جنس الرواية كونها ديوان العصر؟

تخرج جميع أشكال الإبداع من مشكاة واحدة، وبإمكان أي شاعر أن يكتب الرواية لكن ليس بإمكان أي شاعر أن يتميز في فن الرواية أو أن يكتبها بدرجة كتابته للشعر، وهذا لا يعني أنّه لن يتميز بالمطلق، فقد وقفت شخصيا على مجموعة من التجارب الروائية لشعراء كانوا أقرب إلى التميز في الرواية منهم إلى الشعر، ولا أستبعد أن أفكر مستقبلا في كتابة نص روائي، لأن هذا يحتكم إلى الظروف الخاصة المحيطة بكل مبدع.

….ما مشاريع فارس بيرة المستقبلية؟

أفضل أن أقول خطوة، فهذا ربما أفضل، لأنه يشحنني بشيء من الإيجابية ويعبّر بصدق عن مدى انتقالي من مرحلة إلى أخرى.
كخطوة أولى، مناقشة رسالة الدكتوراه، وبعدها التفرغ التام لقراءة التجارب الشعرية الجزائرية الجادة ومقاربتها نقديًا، بالإضافة لمواصلتي كتابة الشعر ومحاولة اكتساب وتحصيل مهارات إبداعية فنية جديدة وتقديم نصوص ناضجة ترسم ملامح تجربتي الشعرية الخاصة.

….ما تطلعاتك وأهدافك؟

هدفي الأسمى هو أن أكون ناجحًا، ومتميزًا ولم لا في المجال الذي اخترته؟ وأن أترك أثرًا طيبًا من خلال المسار الذي رسمته.

….هل تنوي المشاركة في المسابقات العربية والعالمية؟

أي شاعر يحلم أن يفوز بجائزة ما، وجائزتي التي أحلم بها دائما هي رضى القارئ عمّا أكتب، أما المشاركة الفعلية في جائزة ما والفوز بها، فهي في نظري تحصيل حاصل وثمرة جهدٍ وشيء يأتي لا إراديًا ما دام الشاعر يحاول أن يطور في تجربته الذاتية ويحاول التجديد من أساليبه وتجويد كتاباته.

…ماذا تعني لك هذه الكلمات (الوطن، الحب، السعادة، الكتابة)؟

أي كاتب أو شاعر يجد نفسه يتفاعل ضمن سياقه مع هذه الموضوعات والشاعر الجيد من يحسن طرقها ويأتيها من أبوابها، فإذا لم يحركهُ سؤال الكتابة مثلاً ويؤرقه ففي نظري لا يوجد داعٍ لما يكتب، فلا فائدة من الكتابة عن الوطن إذا لم يعبر عنه شاعر ما ويعيشه بروح الدرويش الباحث عن قبلته في قصائده الشعرية أو في نصوصه المكتوبة نثرا.

….كلمة أخيرة لأحبتك؟

أقول لكل من يَعُدني شاعرا شكرا لثقتك، وأتمنى دائمًا أن أبقى على عهد الكتابة، وأن أقدم دائما الأفضل، كما لا يفوتني أن أعبر عن فخري وامتناني كوني عنصرا من جماعة “بين الويدان” المبدعة، هذه الجماعة التي يتكىء كل واحد فيها منا على الآخر حين يتعبه السؤال، وقد أثبثت أكثر من مرة أنَّ الشعر يولد حرًا في القرى، والمداشر، تحت ظل زيتونة أو كرمة، فلا فرق ما دام يحمل ذلك الشعر ملامح صاحبه وما دام يشعل أسئلة الذات، وما دام ينبضُ بالحياة.

…قدم لنا مقطعا شعريّا من قصائدك.

ما لمْ تقلهُ المرايا

نُبِئتُ مُنذُ البدءٍ أنَّ هنَاكا …في الغيبِ متّسَعُ لمنْ جافاكَا
عتبٌ، شعورٌ باردٌ، ينزاحُ عنْ …دربِ الترقبِ تزدريهِ خُطاكا
كفُّ من النسيانِ تحْفرُ نصَّها… في اللاشعور لتستفز رؤاكا
تقتاتُ منْ قلقٍ صغارُ نجومهُا ….لتصيغُ فلسَفَةُ العُبُور هُداكا
منْ أوقدَ اللحنَ الغريبَ بخافقي ….حتى اصطليتُ بضوئهِ إلّاكا
غيمٌ يحاورُ باليقينِ ترابهُ …فيمدُّه بالغيثِ وجهُ سماكا
ما أوسعَ الرُّؤيا إذا ما أوْغلتْ ….في التيهِ، أو ضاقت بها عيناكا
ومعاولُ الذّكرى، أغانٍ أبرقتْ …في اللَّاهتمام تذِيبها شفتاكا
وجهٌ يفتّشُ في المَرايا عنْ صَدى …يلقي السؤال، فيستنيرُ مداكَا
فتَشُدُّني حيْثُ الحقيقةُ، كنهها …ويقينُ جوهرها ورجعُ صداكا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock