اسلاميات

العشر الأواخر من رمضان فرصة لاستدراك ما فات

نحن في العشر الأواخر من رمضان لتفتح ساعاتها؛ ليلا ونهارا لأعمال فاضلة يضاعف بها الثواب، باعتبارها من أفضل أيام العمر عند الله تعالى؛ حيث يكفيها فخرا أن القرآن الكريم نزل فيها؛ في أعظم لياليها ليلة القدر؛ وبدخولها تُشعر الصائم بقرب انتهاء رمضان وأوقاته الثمينة لعله يستدرك ما فاته من أيامه العشرين التي طواها صائما قائما، لدرجة أن بعض العلماء حملوا قوله تعالى: “وَالْفَجْرِ* وَلَيَالٍ عَشْرٍ” على الليالي العشر هن آخر عشر ليالٍ من رمضان؛ لما لها من فضل كبير حيث كما تعلمون بها «ليلة القدر»، وإن كان جمهور العلماء حملوها على أول عشر من ذي الحجة، لما رُوِيَ عَنْ جَابِرٍ رضي الله عنه أَنَّ رَسُولَ اللهِ قَالَ: وَالْفَجْرِ وَلَيَالٍ عَشْرٍ قَالَ: (عَشْرُ النَّحْرِ، وَالْوَتْرُ يَوْمُ عَرَفَةَ، وَالشَّفْعُ يَوْمُ النَّحْرِ) أخرجه النسائي، وما روي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُمَا في وَالْفَجْرِ قَالَ: «فَجْرُ النَّهَارِ»، وفي وَلَيَالٍ عَشْرٍ قَالَ: «عَشْرُ الْأَضْحَى».قال الحاكم: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحُ الْإِسْنَادِ وَلَمْ يُخَرِّجَاهُ.
ولذلك تروي عائشة رضي الله عنها تقول: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره. رواه مسلم. وفي رواية عنها: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان النبيصلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شدَّ مئزره، [كناية عن اعتزال النساء] وأحيا ليله، وأيقظ أهله. متفق عليه. فهذا رسول الله صلى الله صلى الله عليه وسلم الذي غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر يسارع للطاعة وتكثيف العبادة في هذه العشر الأخيرة؛ وما ذاك إلا ليكون لأمته قدوة في المبادرة بالطاعات، فهذه العشر تفتح باب التوبة من جديد والمسارعة بالخيرات لاستدراك ما فات، لأن المسلم يتلمس بركة هذا الشهر لعل العمل التعبدي الذي يقوم به؛ أي عمل يكون خالصا لله تعالى وابتغاء مرضاته؛ من صلاة وصيام وتلاوة وصدقة وتعليم وكلمة طيبة وسعي في مصالح الناس وحسن معاملة؛ يكون ثوابه مضاعفا أضعافا كثيرة عند الله تعالى، ويكفي هذه العشر فضلا أن تأخذ فضائل أيام رمضان كله علاوة على اختصاصها بليلة القدر التي نزل فيها القرآن الكريم، وجعلها الله تعالى أفضل من ألف شهر من سائر الشهور، وتبعا لفضل العشر الأواخر فقد بادر الرسول صلى الله عليه وسلم للاعتكاف فيها: فعن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتكف العشر الأول من رمضان، ثم اعتكف العشر الأوسط في قُبَّة تركية على سُدَّتها حصير، قال: فأخذ الحصير بيده، فنحاها في ناحية القبَّة، ثم أطلع رأسه فكلَّم الناس، فدنوا منه فقال: ((إني اعتكفتُ العشرَ الأول ألتمس هذه الليلة، ثم اعتكفتُ العشر الأوسط، ثم أتيت فقيل لي: إنها في العشر الأواخر، فمن أحبَّ منكم أن يعتكف فليعتكف))، فاعتكف الناس معه، قال: ((وإني أُريتها ليلةَ وتر، وإني أسجد صبيحتها في طين وماء))، فأصبح من ليلة إحدى وعشرين وقد قام إلى الصبح، فمطرت السماء فوكف المسجد، فأبصرت الطين والماء، فخرج حين فرغ من صلاة الصبح وجبينه وروثة أنفه فيهما الطين والماء، وإذا هي ليلة إحدى وعشرين من العشر الأواخر. متفق عليه.
……الإنسان بين صوت الروح ونداء البدن

من يتأمل كتب تاريخ الحضارات سيجد أن الحضارات وانهيار عمران الأمم يعود للطغيان وصراعات الأبدان، ومعه كل صور ومفاهيم المادة والمال والسلطة والجاه، أو لنقل المعاني المادية والترابية للسعادة. ولابن القيم الجوزية كلام جميل يقول فيه:”خلق بدن ابن أدم من الأرض، وروحه من ملكوت السماء، وقرن بينهما، فإذا أجاع بدنه وأسهره وأقامه في الخدمة، وجدت روحه خفة وراحة، فتاقت إلى الموضع الذي خلقت منه، واشتاقت إلى عالمها العلوي، وإذا أشبعه ونعمه ونومه واشتغل بخدمته وراحته، أخلد البدن إلى الموضع الذي خلق منه.”
وهنا نعي جيدا الصراع الخفي لدى كل إنسان بين بعده الروحي وبعده الترابي، أو بين ما اسميناه صوت الروح، لما في كلمة الصوت من عذوبة وهمس ورقة، وبين ما قلنا بأنه نداء البدن، لما في كلمة النداء من معاني الصراخ والشراسة والجهر والصخب.
وفي تراثنا الشعري مساهمات كثيرة للتعبير عن هذه الأفكار، نجدها عند شعراء الرسول (ص) في صدر الإسلام، وامتدت مع شعر ونصوص المتصوفة، في المشرق والمغرب،كما حضرت ثنائية الروح والأبدان عند شعراء العهد الأموي ثم العباسي، وفي كل فترات الأدب العربي قديمه وحديثه، وباختصار لا نجد زمنا غابت فيه معاني تصوير أشواق الروح ومحاولاتها للانتصار في عراكها مع نزوات البدن.
وهنا تريد الروح للإنسان أن يستكمل فضائلها، لأنها هي من تحقق له إنسانية، وترتقي به نحو الملائكة، بأفعال تعبدية متعددة، مع الخوف هنا من التراجع وغلبة الحسد والغرور والحقد، ومحاولات البدن للسيطرة على القرار بطرق خبيثة متنوعة، ومنها الرياء ودخول وساوس الشيطان.
وهكذا يبقى الإنسان في صراع متواصل، بين الروح والبدن، في سياق زمن صعب، تحاصر فيه المشاغل اليومية كل أفراد المجتمع، فتنسي الغني صاحب المال جاره الفقير المحتاج، وتنسي صاحب الصحة من يرقد على فراش المرض، وينسى من هو في يسر أهله وأقاربه الذين هم في عسر.
ولا ينج في اختبارات الدنيا إلا من عرف الطريق إلى الله ووعى معاني النص القرآني، وقرأ بوعي السنة النبوية، بخاصة حول الرزق وتفريج الكرب عن المؤمنين، وعلاج الغم والهم، ولا تنتصر الروح عنده إلا من عرف كيف يقود البدن ويجعل من المال وسيلة للتقرب لله وخدمة ما بعد الموت، أي من جعل من كل لحظات الدنيا فرصة لإعمار الآخرة، وليس من غرق في دنياه وعمرها ونسي أنها فانية، فيخدم، مثلا، ماله ؟! بدل أن يكون المال في خدمته، وعلينا هنا أن نعود للقران ونقرأ سورة الكهف وقصة صاحب الجنتين ومصيره بعد أن كفر ولم يشكر النعم واحتقر الفقير، فمن يعي؟؟.

…..أفضل ما يتقرب به كل صاحب وظيفة بعد الصلاة والصيام والتلاوة هو إتقان عمله
وصوّر اغتنام هذه العشر كثيرة؛ منها ما يتوافق فيه جميع المسلمين؛ وهي الفرائض التي أمروا بها وما ماثلها من نوافلها من جنسها؛ من صلاة وصيام وقيام وتلاوة وصدقة، ومنها ما يختص به كل مسلم حسبما أتاه الله من نعم، فأفضل ما يتقرب به العالم في هذه العشر هو التعليم، وأفضل ما يتقرب به صاحب المال هو الصدقة، وأفضل ما يتقرب به التاجر جلب السلع وحسن المعاملة والصدق والبر في تجارته، وأفضل ما يتقرب به الطبيب علاج المرضى، وأفضل ما يتقرب به الشرطي تأمين الناس وممتلكاتهم، وأفضل ما يتقرب به الجندي حراسة الأمة وحدودها ووحدتها، وأفضل ما يتقرب به الإعلامي البحث عن المعلومة ونقلها بصدق وأمانة، وأفضل ما يتقرب به الفلاح استغلال الأرض غرسا وزرعا وجنيا، وهكذا دواليك، وبالجملة فأفضل ما يجود به كل صاحب حرفة أو وظيفة أو نعمة هو ما أتاه الله منها، فلا يعدل عنها لغيرها لاعتقاده أن غيرها أكثر ثوابا، فما في يده ليس في يد غيره، أصبح شبه فرض عين عليه يسد به على المسلمين ثغرة ويلبي حاجة من حاجاتهم.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock