ثقافةمساهمات

الكاتبة بشرى آسية زبدة في حوار لـ”الـمَغرب الأوسط”

أسعى إلى تأثير كتاباتي على عقول القراء وليس على عواطفهم

أحداث روايتي “الصبار لا يحضن أحدا” وقعت بين الجزائر وتونس

أرغب في خوض تجربة الكتابة الساخرة

حوار/جـمال بوزيان

أَستضيفُ اليومَ كاتبة مِن الأغواط؛ تَسعَى لتَصير قاصَّة وروائيَّة ناجحة.. لـها رواية موسومة “الصَّبَّار لا يَحضن أحدًا” صدرتْ عن “دار الجزائر تقرأ”؛ ولـها أيضًا مجموعة مقالات اجتماعيَّة منشورة في مَجلَّة “فكرة”.. تَرَى نفسها كائنًا انطوائيًّا لذلك علاقتها مع أهْل الفكر والتَّاريخ والأدب والثَّقافة تكاد تَنعدم.
تَنشُر “الـمَغرب الأوسط” حواري الصِّحفيَّ مع الكاتبة بشرى آسية زبدة.

….مَرحبًا بكِ.
أهلا وسهلا أستاذ.
…ما قصَّتكِ مع الكتابة؟
كل ما أذكُرُه أنّني كنتُ أحب حصة التعبير الكتابي، حتى السنة الرابعة متوسط أين طلبَ منا أستاذ اللغة العربية بشير يوسفي كتابة نص سردي، وربما نتيجة سوء فهم كتبت نصًا إنشائيًا، وخجلت أثناء قراءته لإخلالي بالشرط، لكن الأستاذ قال بالحرف:”… من أجمل النصوص التي سمعتها…”، حينذاك قررت أن أصبح ساردة، وكتبت في ظرف ثلاث سنوات أول رواية (غير منشورة).
…ماذا تَتناول أُولى رواياتكِ “الصَّبَّار لا يحضن أحداً”؟
تدور أحداث الرواية زمنيًا بين مراحل متقطعة من فترة التسعينيات حتى عام 2013 م، ومكانيًا بين الجزائر وتونس بأربع شخصيات رئيسية، اعتمدت فيها تقنية السرد بالتَوازي، حيث تأخذ كل مرة -بالتناوب- شخصية من الكاتب قلمه وتبدأ في سرد القصة من زاويتها المُعينة، وتتقاطع الشخصيات مع بعضها البعض في كذا مشهد للفكرة الأساسية للموضوع، تحدثت عن المُخلفات النفسية للعشرية السوداء عن الضحية التي تتقَمص دور الجلاد، وأشياء كثيرة غضّ العالم والإعلام معًا آنذاك عليها الطرف. ربّما لأنني شهدت أحداثا رغم صِغر سني وسمعت شهادات حيّة من مقربين، كان الدافع نحو الكتابة في هذا الموضوع، العنوان رمزي حاولت به أن أشدّ القارئ، وأن يكون في الوقت نفسه يلامس فكرة الرواية.
…كيْف اتَّفقتِ مع دار النَّشر؟
كان أقرب للمزحة منه للاتفاق، أرسلت روايتي إلى “دار الجزائر تقرأ” أواخر عام 2018 م، وتمّت الموافقة من الدار، ثم بعد أشهر تلقيت رسالة بريدية من الناشر تحتوي على النص منسق آملين مني أن أقرأه وأصحح الأخطاء اللغوية وغيرها في ظرف أسبوع، كنتُ أظن أنّ الدار أكثر احترافية، لكن بدا لي أن التدقيق اللغوي ليس من اهتمامات هذه الدار مثل غيرها!.
لكن المذهل أن مؤلفي طُبِع بأخطاء تنسيقية وإخراجية ارتكبتها دار النشر وتحججت بأنها مجرد أخطاء مطبعيّة، ثم نُشرتْ روايتي في طبعة ثانية بالأخطاء ذاتها رغم مطالبتي بتصحيحها، تخيل أن ألف نسخة كلها ضحية أخطاء مطبعيّة؟!.
…ماذا قال النُّقَّاد عن روايتكِ؟
لحدّ الساعة لم تصلني سوى قراءة نقدية واحدة للدكتور عمر عباس، حيث أشاد ببعض النقاط، وعرجّ على الضعف في البعض الآخر.
….لطفًا؛ اتحفِي القرَّاء بِـمَقطع مِن روايتكِ.
(… لقد اعتدنا أنا وإخوتي أن نقيم شجارا بالأيدي بعد أن نشبع بطوننا والفائز الذي يبرح أخاه أرضا يطلب منه ما يشاء، في تلك الليلة، الفاتح من أفريل كان مؤمن وهو أكبرنا قد تناول بعض اللقيمات ثم حمل نفسه واستلقى فوق فراشه مفتوح الأحداق نحو السقف، لقد عاد من أفغانستان منذ سنة ونصف، عاد من الموت المحقق بعدما قطعنا الأمل من رجوعه، توفي والدي إثر صدمة نفسية، دهسته جلطة دماغ بعد أشهر من مغادرة مؤمن، وها قد عاد بعدما استنزف منا الحزن ما استنزف، عاد بمظهره الأفغاني المخيف، احتاج لأكثر من أربعة أشهر ليخرج للشارع واحتجنا نحن لأكثر من ذلك الزمن كي نفهم أي رجلٍ أصبح، كان ما يزال شابا حين رجع، ثلاثة وثلاثين عاما!.
إنها سن مناسبة للزواج، للعمل، للحياة على نحو آخر، كيف اختار أخي الجهاد من بين كل تلك الأشياء التي يفعلها الشباب؟.
هذا ما وجدتني أخمن في جواب له قبل شهرين، بينما تسحبه أمي من فراشه نحو الحمام:
“- ها مؤمن شوف روحك، هذا وجه تاع واحد عندو تلاثين عاما؟ حففها لا تجيبلك المشكلات”.
وضع البلد آنذاك كان في حالة كارثية واللحية تهمة، وأفغانستان كانت تأشيرة نحو السجن:
“- ها وليدي، حففها ربي يحفظك”.
كانت تستجديه، تمسح على كتفيه، تُقبل راحة يده، أخذ الشفرة أزالها عن بكرة أبيها دون أيّ جدال دون حتى أن يمتعض، ها قد زالت التهمة، ها قد أصبح مؤمن بدون ماضٍ، فرحت أمي يومها وزّعت “الكعبوش” على بيوت الحيّ احتفاءً بولدها، فرحت أنا أيضا، أما هو فظّل صامتا.
منذ قدومه كانت هذه حالته الطبيعية، في الصباح يأخذ بسطته نحو رحبة الزيتون يفرشها بالخضار والفواكه أحيانا، يبيع ما تيسر ثم يرجع للمنزل، يكتفي بالجلوس بجانب والدتي، يطيب لها ذلك، تسأله مبتهجة:
“- ها ميمة، قولي حاب نزوجك؟”.
يكتفي بالنفي، تحتقن عيناه بشعور مبهم، ينهض ليستلقي فوق فراشه إلى أن يسمع صوت الأذان، لم يكن يخرج إلا لسببين، العمل والصلاة.
كان الجميع يدرك أن هذا الوطن على شفا الهاوية، مؤمن كان يعي ذلك ولكنه يتحاشى الخوض في جدالات كهذه، يتحاشى سيارات الأمن، المسيرات اليومية، أصدقاءه الذين رافقهم إلى أفغانستان، حتى الجارات اللواتي استوقفنه ذلك المساء عند باب المنزل:
“- لي طلعو للجبل كانو معاك في أفغانستان؟”.
يتجاوزهن، يُدير مفتاحه في الباب، يحاولن استفزازه:
“- يا بولحية، قول!”.
يتحسسها فلا يجدها، يتذكر أنه حلقها منذ أشهر…).
…كُتِبتْ روايات كثيرة عنِ الـمِحنة الَّتي مرَّ بها الشَّعب الجزائريُّ في التِّسعينيَّات؛ هلْ قرأتِ بعضًا منها؟ وما رأيكِ فيها؟
أجل، عدد الروايات التي تحدثت عن سنوات الدمّ جمّة، هنالك “فوضى الحواس” لأحلام مستغانمي، و”تاء الخجل” لفضيلة الفاروق، و”حرب القبور” لمحمد ساري، لكن لا أظن أن هنالك من كتب من قبل عن أُسرة متواضعة من الأغواط شهِدت قيامتها فقط لأنّ لها ابنا ذهب إلى أفغانستان… كل كاتب لا بد أنه تناول الموضوع من زاوية خاصّة، وكل كاتب يخدم – دون وعيّ- أيديولوجية ما، وإن أنكر، في النهاية حتى الحقيقة لها أوجه شتى.
…وماذا عن كتابة القصَّة؟
القصّة غير الرواية، ربما كانت أصعب، أحببت أن أكون قاصّة، أحيانا أنشر بعضًا منها في حسابي عبر الموقع الإلكتروني “فيس بوك” وتلقى تجاوبًا رائعًا من الأصدقاء.
…هلْ جرَّبتِ كتابة الشِّعر؟
مجردّ “خربشات” أيام المراهقة، لكنني فهمت أن كوني متذوقة للشعر بكل أنواعه، لا يعني أنني شاعرة، أنا ساردة فحسب.
…بعْد التَّغيير الـمَنشود لبِناء “الـجزائر الـجديدة”؛ وبِصفتكِ كاتبةً؛ ماذا تَقترحين على وزارة الثَّقافة؟
التغييِّر! المشهد ما يزال معتما في وزارة الثقافة، إذا كنتُ سأطلب شيئا من القائمين عليها -كونهم مثقفين قبل أن يكونوا مسؤولين- فعليهم أولا توضيح موقفهم من الحكومة الحالية، لأني ككاتبة يستحيل أن أثق في مثقف متردد يرفض حكومة ويقبل بحقيبة وزارية منها.
….وجِّهي رسالة إلى وزراء الثَّقافة العرب؛ ورسالة إلى النَّاشرين العرب.
إلى الناشرين العرب: تعاملوا مع نصوص الكُتَّاب باحترافية أكبر، وتوقفوا رجاءً عن استخدام دُور النشر كمطابع فحسب، لا بد أن يتجه مديرو هذه الأخيرة إلى التحرير والتنقيح، الناشر يجب أن يكون قارئًا ناقدًا أو لا يكون.
….ما رأيكِ في الكتابة السَّاخرة؟
أُحبُ ذلك، وأرغب في خوضها، خاصّة وأن الكتابة الساخرة تتناول موضوعات ممنوعة أو تكاد تكون “طابوهات” بشكل هزلي، قادر على استفزاز عقل القارئ، أريد أن يكون لكتاباتي تأثير على عقول القراء وليس فقط عواطفهم.
…ماذا تقولين للكُتَّاب النَّازحين واللاَّجئين في العالَم؟
الكِتابة قُوتُكُم ودِثاركم حين يعزّ عليكم الدفء، اكتبوا من أجل أن تفضحوا الوجه الآخر للحكومات وصُنّاع القرار.
…ماذا كَتبتِ عن كفاح الـمَرأة في العالَم؟
أظنني كتبتُ عن كِفاح الإنسان في الحياة دون تجزئة، كل قِصّة أو نص سردي مفتوح تتجلى فيه صورة للمعاناة الإنسانية.
…أيُّ نساء العالَم عبْر التَّاريخ تَستهويكِ؟
باعتباري ما أزال في محاولة للظفر بلقب كاتبة، هنالك نساءٌ كثيرات أحبهن.. أولهن أمّي، لأنها امرأة صالحة وحالمة، أحبّ من الكاتبات جين وبستر، رضوى عاشور، بثينة العيسى، سيلفيا بلاث، إلف شافاق، وأسعى أن أملك قدرتهن على الكتابة في كل شيء بمتعة خالصة.
…ما آخرُ كِتابٍ قرأتِه أو تَقرئينه حاليًا؟
أقرأ حاليًا رواية “جنتلمان في موسكو” للكاتب الأمريكي أمور تاولز.
….سعيدٌ بكِ اليومَ؛ كرمًا لا أمرًا؛ اختمِي الـحوار.
شكرًا جزيلا على الأسئلة الشيّقة، تمنياتي لك بالتوفيق، وللرواية أن تصل عبر هذا المقال إلى قراء ناقدين كُثر، أحتاج مراجعات وقراءات نقدية جادّة، وهذا هو ديدن الكاتب ليُصبح أفضل.

الوسوم
اظهر المزيد

تعليق واحد

  1. السلام عليكم اتمنى لو بامكاني التواصل مع الكانبة بشرى اسيا زبدى بحكم انني بصدد دراسة روايتها لنيل شهادة الماستار في الادب الجزائري و لعلها ستكون اول دراسة اكادمية لهذه الرواية الجديدة و نقطة انطلاقة للباحثين اللاحقين في دراستهم لها و التعمق فيها اكثر . و كنت قد قطعت مشوارا في هذا البحث و اوشكت على انها ئه لكن استوقفتني بعض النقاط و الملاحظات التي اثارت فضولي دون غض النظر عن بعض المعلومات التي ستفيدني بها الكاتبة لاكمالي بحثي هذا .فارجو ان تفيدوني بموقعها الالكتروني الفيسبوك عاجلا اذا امكن فانا مقبلة على مناقشة هذه المذكرة في الايام القليلة القادمة ان شاء الله و شكرا مسبقا .

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock