ثقافةمساهمات

المؤسسات التربوية لا تزال تحتاج المخابر وتجهيزات التدفئة ووسائل النقل

"الـمَغرب الأوسط" ترصد آراء الصفوة

يَطرَح مُعِدُّ صفحة “مَراصِد ثقافيَّة” عبْر منبر “الـمَغرب الأوسط” سؤالاً كُلَّ أسبوع على أهْل الفلسفة والفكر والثَّقافة والتَّاريخ والتَّربية والتَّعليم والأدب والتَّرجـمة والنَّشر والإعلام والصِّحافة والاقتصاد والصِّحَّة والبيئة والإحصاء والاستشراف والتَّخطيط والسِّياسة والفنِّ والرِّياضة وغيرهم؛ ويَرصد كُلَّ حينٍ آراءهم بـحثًا عن علاجٍ لـمُشكلات وحلولٍ لأزمات ودفعٍ لأخطارَ مُحدِقة في الـمُجتمَع الـجزائريِّ والعربيِّ والأفريقيِّ والإسلاميِّ والعالَميِّ… يَعرض اليومَ الآراء الآتية.
إعداد/جـمال بوزيان

….الأستاذة حنان غربي «كاتبة»
للتعليم دَور مهم وأساسي في تطور الأمة والمجتمع ولا تكتمل هذه العملية إلا بتكاتف الجهود

تُعرَّف التربية على أنها تعديل في سلوك الإنسان أو هي ممارسة موضوعها الفرد والارتقاء بالمجتمع، وقد تكون التربية مقصودة مثل التربية المدرسية، أو غير مقصودة مثل تربية الشارع والمسجد، وغيرهما من أشكال الفضاء العام.
أما التعليم فهو هو اكتساب معرفة أو تعلم مهارات جديدة للفرد، وبهذا يصبح التعليم جزءا من التربية.
ولأنه كلما تطور الفرد تطور المجتمع، نجد مسألة التربية والتعليم مهمتين لكل الدول والمجتمعات، إن التعليم هو حلم معاصر لكل دولة، ويمثل الوعي الجماهيري، الهدف منه تكوين مجتمع متعلم والتخلص من توابع الجهل والأمية.
والجزائر دولة مثل باقي الدول تسعى إلى تحقيق هذا الحلم لبناء مجتمع معاصر يواكب التطور الحاصل في العالم.
إلا أنه ما يلاحظ، أن الواقع كان عكس الحلم،السياسة الجزائرية لا تتخذ الأساليب المناسبة لتطوير التعليم بل كل ما يقال مجرد حبر على ورق.. وأكبر دليل على ذلك حالة المربي عندنا،رغم أن نظامنا في مبادئه إسلامي وديننا الحنيف يحثنا على طلب العلم واحترام المعلم، إلا أنه يعاني الأمَرَّيْن فهو مقارنة بغيرنا من الدول وحتى الدول المجاورة مهمش ماديا بالدرجة الأولى، ومشتت نفسيا واجتماعيا لما يتعرض له من نقد لاذع وشرس من الوسط الاجتماعي وضغط رهيب انطلاقا من الإدارة في المؤسسة العامل بها نهاية عند الوزارة الوصية التي تحمله نهاية كل مرحلة النتائج المحققة من طرف التلاميذ وخاصة حال الفشل.
بالإضافة للتعديلات التي تحدث سنويا في المناهج أو ما تعرف بالتدرجات، وتكون إما بالإضافة أو الحذف فيجد الأستاذ نفسه وجها لوجه مع مادة معرفية جديدة عليه وعلى التلميذ معا، دون أن توفر هذه الوزارة التكوين اللازم للأستاذ حتى يساير هذه التغييرات.
كما نجد أن التلميذ أيضا يعاني من كثافة البرامج الدراسية وثقل المحفظة التي أصبحت هاجسا لطفل صغير لم يكتمل عوده بعد، وهو سبب في حرمانه من اللعب الذي هو من الناحية النفسية كما يصرح بذلك علماء النفس ضروري لنمو الطفل من الناحية النفسية والعقلية والجسدية لذلك ينصحون بأكبر وقت ممكن من اللعب في هذه المرحلة(مرحلة الطفولة_ الطور الابتدائي).
إن مناهجنا الدراسية لا تراعي هذا الجانب البتة فتجد الطفل الصغير يقضي مجمل وقته في المدرسة وعند العودة تلاحقه الواجبات المنزلية التي تستهلك أكبر وقت من أمسيته،ناهيك عن ضعف مستوى المربي في بعض الأحيان _الذي هو أيضا ضحية لهذه المنظومة التربوية وليس التلميذ فقط_ قلنا يجد الطفل الصغير نفسه محروما من اللعب وكارها المدرسة لما يناله منها، ويضعف مستواه ويقل مردوده الدراسي ويحدث نتيجة ذلك التسرب المدرسي كهروب من هذه الوضعية إن لم يجد من يراقبه ويتابعه من الأولياء.
كما أنه لا يمكننا الإنكار أنه بالرغم مما يبذله المربي والأولياء من جهود في سبيل إنشاء فرد سوي لسنوات، يحطمه الشارع في ساعات،إذ أصبح الشارع يتقاسم مع الأولياء والمربي التربية مناصفة إن لم نقل أكثر.
بالإضافة لعجز البرامج الدراسية وما تحتويه من مادة معرفية على مسايرة التطور الحاصل في العالم، اليوم لم تعد المشكلة تخص المعرفة من الناحية الكمية بل من الناحية النوعية أو الجودة فما نلاحظه أن التعليم في الجزائر منذ الاستقلال يحافظ على نفس المستوى، والدليل الاعتماد على النصوص نفسها والمواضيع ذاتها دون تغيير ملحوظ.
كما نجد أنه تقل أو تكاد تنعدم حصص التربية الأخلاقية والسلوكية إلا ساعة واحدة وهي حصة التربية الإسلامية التي هي حصة مهمة لتنمية وضبط سلوكات الفرد أو التلميذ.
كلها أسباب ومعوقات اتحدت معا وساهمت في تدني مستوى المنظومة التربوية في الجزائر، وتحسينها لا يكون إلا بما يأتي:
أولا:أن تتخذ السياسة الجزائرية فلسفة جديدة هدفها تحسين مستوى المربي وإعادة الهيبة والاحترام له وجعله في قمة الهرم كباقي دول العالم، لا يمكننا أن نطالب مدرسا بتحقيق الرقي والنوعية في اللحظة التي نجده يكابد قلقا وجوديا وضغوطا مستمرة من الأولياء غير الواعين بدَورهم الأساسي في تكوين الفرد وتهجمهم على الأستاذ في كل وقت وحين،ولأنه -شئنا أو أبينا- لا يصلح حال الأمة دون صلاح التعليم والاهتمام أكثر بالمعلم.
ثانيا:ضمان التكوين المستمر للمعلم لتحسين مستواه المعرفي والثقافي حتى يساير التطور العلمي والتكنولوجي في العالم، وتفعيل مجال التكوين والتدريب الدائم له.
ثالثا:تطوير البرامج الدراسية من برامج تهتم بالكمية إلى برامج تهتم بالنوعية، المشكلة ليست في مجانية التعليم بقدر ما هي في نوعية هذا التعليم ومسايرة الأنظمة التعليمية العالمية الناجحة.
رابعا: السعي إلى إدراج حصص تعلم الفرد كفاءات ومهارات عملية تنمي روح العمل والإبداع وإتقانه واحترامه.
خامسا:إدراج حصة الفلسفة منذ الطور المتوسط حتى يتعلم التلميذ تقنيات التفكير الفلسفي وأساليب حل المعضلات الفكرية والعلمية.
سادسا:تهيئة المؤسسات التربوية بما يحتاجه التلميذ من وسائل ومعدات تكنولوجية لازمة لعملية التعلم.
سابعا:تخفيف البرامج التربوية للطور الابتدائي وحصرها في اللغة العربية واللغة الأجنبية وحصة رياضيات مع إضافة حصص التربية الإسلامية وحصص التربية الرياضية والتربية الفنية كالرسم والموسيقى في كل الأطوار التعليمية، وتوفير أكبر قدر من مساحات اللعب والمرح خاصة للطور الابتدائي.
ثامنا:التركيز على الدروس التي تعلم حرية التفكير والتعبير والنقد والتحليل، بالإضافة لدروس تعلم المعنى الحقيقي لحب الوطن والمواطنة والتعايش السلمي واحترام الآخر.
تاسعا:إضافة حصص مسابقات فكرية وعلمية وبيئية تحث التلميذ على العمل والإبداع عوض الحفظ والتلقين.
في الأخير، إن للتعليم دَورًا مُهمًّا وأساسيًّا في تطور الأمة والمجتمع، ولا تكتمل هذه العملية إلا بتكاتف الجهود، والمشاركة الفعلية بين جميع فئات المجتمع مع جهود سياسية فعلية، ورؤية واضحة متكاملة للدولة حتى ننهض بالفرد، ونحلم بمستقبل واعد لهذا البلد،إن كنا قد ضيعنا الماضي والحاضر فيجب ألا نضيع المستقبل.

….الأستاذ موراد سركاستي «شاعر»
التربية الإسلامية مادة مهمشة في المؤسسات التربوية

يعيش المربي والأستاذ حالة تمزق بين تطبيق المناهج المختلفة التي تتغير بين لحظة وأخرى، وبين مهنة التعليم والتدريس والتربية التي هي مهنة شاقة ورسالة نبيلة في الوقت نفسه.
يشتكي المعلم والمربي في كثير من المؤسسات أثناء ممارسته لمهنته حين تلقى كل المسؤوليات على عاتقه، ويحار في الدَّور الذي سيتقمصه، إما العمل وفق المنهاج الجديد المستحدث الذي فيه إعادة النظر، أو بين الاعتماد على تقديم معلومة يستفيد منها المتعلم والتلميذ، وإما ترك المنهاج جانبا والعمل على إنشاء جيل مستقبلي أساسه الأخلاق، إذ أن كثير من المؤسسات تحولت إلى مرتع للآفات الاجتماعية وللأولياء دَور مُغيَّب في كل هذا، إذ أن في كثير من الأحيان يستدعي الأستاذ أحد الأولياء إلا أن بعضهم يرفض المجيء مما يضطر بالأستاذ إلى التسامح مع التلميذ حرصا على مستقبله ومصلحته، ويفقد بذلك هيبته بصفته أستاذا في نظر التلميذ، ولا داعٍ للخوض فيها، لأن الواقع صورة جلية وظاهرة للعيان، المؤسسات أصبح أغلبها مؤسسات توزيع الشهادات، يتعلم فيها التلميذ كل شيء إلا الأخلاق والمبادئ والقِيم.
والقضية التي نراها اليوم قضية مهمة يجب تسليط الضوء عليها هي مادة التربية الإسلامية، وبصفتي أستاذا مؤقتا في الجامعة وأستاذا دائما في التعليم المتوسط لاحظت غياب أستاذ متخصص في هذه المادة الحساسة التي أراها أساسية للتلميذ طيلة تحصيله المعرفي، إن الأستاذ المتخرج من قِسم الشريعة يحمل معلومات ومعرفة أكثر من أستاذ اللغة العربية الذي تخرج من قسم اللغة والآداب، كما أن المدة المبرمجة لمادة التربية الإسلامية مدة قليلة جدا نظرا لأهمية هذه المادة في تربية الأجيال على أساس القِيم والأخلاق، ساعة واحدة في الأسبوع لا تكفي الأستاذ لتقديم الدرس وإيصال المعلومة وتثبيتها لدى التلميذ،
وعليه على الوزارة إعادة النظر في هذه النقطة بالذات، وأن تبرمج هذه المادة مادة أساسية مع اللغة العربية وأن تجعل على رأسها أساتذة متمرسين ومتمكنين في علوم القرآن والشريعة.
وعملا بقول الشاعر حافظ إبراهيم:
وإنما الأمم الأخلاق ما بقيت******فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا

…الأستاذة أم الخير ربحي «كاتبة»
الإرادة في التغيير يسبقها ترتيب الأولويات

يعد قطاع التربية من بين القطاعات السيادية التي يجب أن تحظى بالأولوية في التخطيط الحكومي مع التدقيق في اختيار «الكادر» المسير له لأنه مصنع الأجيال التي تعتمد عليها الأمة في البناء الحضاري الشامل، لهذا فإن منزلة المربي المعلم كانت في الماضي القريب كبيرة في ذهنية اجتماعية محافظة جدا ترى في شخصية الأب الروحي والمربي معا، لقد تمتع بالهيبة وقوة التأثير في توجيه الناشئة تربويا ثم من الجانب التحصيلي للمعرفة ،كما حظي بالاحترام والتقدير.. أما اليوم اهتزت تلك المكانة نوعا ما لعدة أسباب منها:
ضعف التكوين البيداغوجي وبعد المناهج عن الواقع المعاش، كما اكتفت المؤسسات التربوية بالحشو للمعرفة وليس إعداد الأجيال كما كانت سابقا، وما زاد الأمر صعوبة تفشي ظاهرة العنف اللفظي والجسدي بين طرفي العملية التربوية أسفر ذلك عن ارتفاع خطر التسرب المدرسي مع استقالة الأسرة عن تحمل مسؤولياتها الأخلاقية عكس ما هو موجود في المجتمعات الأخرى، وقد أصبحت تجاربها أنموذجا تعليميا رائدا مثل التجربة الفنلندية، الألمانية والماليزية وحتى اليابانية.
يجب إعادة النظر في عملية التكوين، والتركيز على سيكولوجية المتعلم كما كان في المعاهد التكنولوجية مع عصرنة الآليات، والتخلي عن المناهج التعليمية المستوردة التي لا تتماشى وهويتنا وواقعنا والاستفادة من غيرن وحتى من من ماضينا كميراث العلامة ابن باديس والأفغاني، واختيار كفاءات على دراية بالوسط التربوي وحتى التعليم العالي، والتعمق في دراسة العقبات وحصر المشكلات العالقة منذ سنوات، ومشاركة كل الأطراف الفاعلة في القطاع، وإعداد منصات استبيانية للشركاء بما فيهم المتعلم والطالب الجامعي مُرفقًا بإرادة حقيقية للتغيير لبلوغ الأهداف.
أما فيما يخص حصص التربية بكل أشكالها معظم ما تحتويه هي حشو معرفي بعيدة عن الجوهر وليست عملية نمطية حتى صارت لدى المتعلم عبئا في الامتحانات لا سيما أن حظها من الحجم الساعي والمعاملات ضئيل، من المفروض أنها قاعدة في البناء التربوي، ولتفعيلها يجب أن تصاغ مناهجها بشكل أحسن لتعطي المربي تصورا واضحا وعميقا للتوجيه وبناء كفاءة على علم وخلق وإدراك وتفكير إيجابي لحل المشكلات مع التركيز على التربية الدينية للقضاء على العنف وحيثياته لتحسين العلاقة بين الطرفين، مع مسايرة التكنولوجيا في الأداء التعليمي والاهتمام بالنشاطات، وتقليص الحجم الساعي أما عن الميزانيات غير كافية، حيث تم تقليصها بسبب الأزمة الاقتصادية التي لا تخدم الكل حيث تفتقر بعض المؤسسات والجامعات على الهياكل المادية كالمخابر والتجهيزات والتدفئة والنقل، واستفحال مشكلات يصعب حصرها.
الإرادة في التغيير يسبقها ترتيب الأولويات من تكوين جيد للمكون أكاديميا، وتحسين المناهج والظروف، وتذليل الصعوبات لإعادة هيبة الأستاذ ومكانته، وتلك مسؤولية الجميع وليست جهة معينة فقط.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock