اسلاميات

ما جمعتهُ يدُ الرّحمن لا تُفرِّقُه يدُ الشّيطان

أخوة الإسلام لا تختص بجماعة دون جماعة، ولا بقوم دون قوم، ولا بزمان دون زمان، ولا بمكان دون مكان، وذلك لأنّ رباط الإسلام والدّين يجمع بين كلّ المؤمنين، ويؤلّف بين جميع المسلمين، على اختلاف أحوالهم وألوانهم وجنسياتهم وتفاوت أفهامهم ومواهبهم وتباين وجهات نظرهم في المسائل الّتي يصحّ فيها الاجتهاد. إنّ رباط الدّين الصّحيح والإيمان الصّادق يجمع بين كلّ المؤمنين، كما يجمع نور الإيمان بين المبصرين، والّذي يؤمن بالله واليوم الآخر يُحبُّ لذلك جميع المؤمنين، فالإيمان هو الأصل والأخوة فرعٌ منه، والله سبحانه وتعالى يقول: {إنّما المؤمنون إخوة}، و”إنّما” أداة حصر، أي لا يكون المؤمن إلاّ أخًا للمؤمنين، فإن ضعفت تلك الأخوة، فمن ضعف الإيمان، كما أنّ قوتها من قوّة الإيمان. تأمّل قول الله تعالى: {إنّما وليُّكم الله ورسوله والّذين آمنوا يقيمون الصّلاة ويؤتون الزّكاة وهم راكعون} المائدة .55 وكما جاء في الحديث الصّحيح الّذي يرويه البخاري والنسائي من طريق أنس بن مالك، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلّى الله عليه وسلّم: ”مَن صلّى صلاة واستقبل قِبلتنا وأكل ذبيحتنا فذلك المسلم الّذي له ذِمَّة الله ورسوله، فلا تخفروا الله في ذمّته”. وكما قال الإمام النووي في شرح مسلم في باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان: ”واعلم أنّ مذهب أهل الحقّ ألاّ يُكفَّر أحد من أهل القبلة بذنب ولا يُكفَّر أهل الأهواء والبدع وأن مَن جحد ما يعلم من دين الإسلام ضرورة حكم بردّته وكفره إلاّ أن يكون قريب عهد بالإسلام أو نشأ ببادية بعيدة ونحوه ممّن يُخفي عليه”. وكما جاء في حديث الصّحيحين من طريق عبد الله بن عمر، رضي الله عنه، أنّ رسول الله، صلّى الله عليه وسلّم، قال: ”المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يُسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرّج عن مسلم كُربة من كرب الدنيا، فرّج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة”، والنصوص في هذا كثيرة. وحديث ”مَن صلّى صلاتنا”، يدلّ دلالة صريحة واضحة أنّ المسلم من اتّصف بالصّفات المذكورة هو الّذي لا يجوز أن تُخفر ذمّته، بل إخفار ذمّته خيانة وتجاوز للأمانة واستخفاف بها، وقد قال تعالى: {يا أيّها الّذين آمنوا لا تخونوا الله والرّسول وتخونوا أمانتكم وأنتم تعلمون}. لذا، لابدّ أن ننشر ثقافة فقه الاختلاف ونسعى للمّ شمل المسلمين مهما اختلفت مذاهبهم، من حنفية أو مالكية أو شافعية أو حنبلية أو زيدية أو جعفرية أو ظاهرية أو إباضية. وصدق الإمام العلاّمة الأصولي الكبير أبو إسحاق الشاطبي لمّا قال في كتابه (الموافقات) ج2 ص 273: (إنّ تعويد الطالب ألاّ يطّلع إلاّ على مذهب واحد، ربّما يكسبه ذلك نفورًا أو إنكارًا لكلّ مذهب غير مذهبه، ما دام لم يطّلع على أدلّته، فيورثه ذلك حزازة في الاعتقاد في فضل أئمة أجمع النّاس على فضلهم وتقدّمهم في الدّين وخبرتهم بمقاصد الشّرع وفهم أغراضه”. وقال الإمام قتادة: ”ما لم يعرف الاختلاف لم يشم رائحة الفقه بأنفه”. وصدق بديع الزمان سعيد النورسي، رحمه الله، إذ قال في رسائله: (فيا معشر المسلمين: انتبهوا من غفلتكم وأفيقوا من نومكم، فإنّ الأعداء محيطة بكم وأنتم لاهون بخصوماتكم وأهوائكم، إنّ أبسط قوانين البقاء تتطلّب منكم أن تَرُصُّوا صفوفكم وتنبذوا أهواءكم وتجمعوا كلمتكم، حتّى تدفعوا شرور أعدائكم، وإنّه من العار أن تظلوا شيعًا وأحزابًا، بأسكم بينكم شديد.. فاعلموا أنّ حصنكم الحصين ودرعكم المتين هو التمسّك بعُرى الإيمان وأواصر الإسلام، لتردّوا كيد العدو.. فانظروا إلى أنفسكم، وارحموا أمّتكم، وابتعدوا عن دواعي التفرّق والفساد، واجمعوا كلمتكم على الخير حتّى تفوزوا برضوان الله).

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock