اسلاميات

حقّ الحياة

إنّ الله عزّ وجلّ كرّم الإنسان خلقه بيده، ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته، وسخّر له ما في السّموات وما في الأرض جميعًا منه، وجعله خليفة عنه، وزوّده بالمواهب والنّعم ليسود الأرض، وفضّله على جميع الدواب والهوام. ولا يمكن لهذا الإنسان أن يحقّق أهدافه إلاّ إذا أخذ حقوقه كاملة وفي طليعة هذه الحقوق التي ضمنها الإسلام هي حق الحياة فهو حق لا يحل انتهاك حرمته ولا استباحة حماه.

قال الله تعالى: {ولا تقتلوا النّفس الّتي حرّم الله إلاّ بالحقّ}. والحق الّذي تزهق به النّفوس هو ما فسّره نبيّنا صلّى الله عليه وسلّم في قوله: ”لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّي رسول الله إلاّ بإحدى ثلاث: الثيب الزّاني، والنّفس بالنّفس، والتارك لدينه المفارق للجماعة” رواه مسلم. ومن حرص الإسلام على حماية النّفوس أنّه هدّد مَن يستحلها بأشدّ العقوبة، فقال تعالى من سورة النساء: {ومَن يقتُل مؤمنًا متعمّدًا فجزاؤُه جهنّم خالدًا فيها وغضب الله عليه ولعنه وأعدّ له عذابًا عظيمًا}. وجاء الأحاديث الصحيحة تدل على أنّ قتل المؤمن من أعظم الكبائر، روى ابن ماجه بسند حسن عن البراء بن عازب عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ”لزوال الدنيا أهونُ على الله من قتل مؤمن بغير حقّ”. وروى الترمذي بسند حسن عن أبي سعيد الخذري قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”لو أنّ أهل السّماء وأهل الأرض اشتركوا في دم مؤمن لأكبّهم الله في النّار”، وروى البيهقي عن ابن عمر قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”مَن أعان على دم امرئ مسلم بشطر كلمة كتب بين عينيه يوم القيامة آيِسٌ من رحمة الله”. وها هو القرآن الكريم ينهانا عن قتل الأولاد خشية الفقر والمجاعة، قال تعالى: {ولا تقتُلوا أولادكم خشية إملاق نحنُ نرزقهم وإيّاكم إنّ قتلهم كان خِطأ كبيرًا}. وقال تعالى حاكيًا ما كانت العرب تفعله في الجاهلية: {وإذا المَوْؤُودَة سُئِلَت بأيِّ ذنبٍ قُتِلَت}. ويستوي في ذلك، عباد الله، قتل الذِّمي الذي يعيش تحت سلطان الأمّة الإسلامية ويعاهد وليّ أمر المسلمين يهوديًا كان أو نصرانيًا، روى البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو بن العاص قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”مَن قتل معاهدًا لم يرح رائحة الجنّة وأنّ ريحها يوجد من مسيرة أربعين عامًا”، وربّنا تعالى يقول في القرآن: {فإن اعتزلوكم فلم يقاتلوكم وألقوا إليكم السّلَم فما جعل الله لكم عليهم سبيلاً}.

ويستوي في ذلك أيضًا قاتل نفسه، فالله تعالى حذّرنا من ذلك فقال: {ولا تقتلوا أنفسَكُم إنّ الله كان بكم رحيمًا}. ففي صحيح البخاري عن أبي هريرة عن النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال: ”الّذي يخنق نفسه خنقها في النّار، والّذي يطعن نفسه يطعنها في النّار، والّذي يقتحم يقتحم في النّار”. ومن هنا عباد الله شرع الإسلام القصاص وإعدام القاتل المتعمّد انتقامًا منه وتطهيرًا للمجتمع، قال تعالى: {ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتّقون}. وحتّى في القتل الخطأ لم يعف الله تعالى القاتل من المسؤولية بل أوجب فيه العتق والدية، فإن لم يجد العتق صام شهرين متتابعين، وهذه الدية في القتل الخطأ أوجبها الإسلام حتّى لا تسرب إلى ذهن أحد الاستهانة وأيضًا احترامًا للنّفس البشرية. ولاشكّ، عباد الله، أنّ أوّل ما يحاسب عليه العباد يوم القيامة من حقوق النّاس هي الدماء، قال العلامة ابن حزم الأندلسي: (لا أعلم ذنبًا بعد الشِّرك أعظم من قتل المؤمن بغير حق أو ترك الصّلاة”. وفي سنن النسائي قوله صلّى الله عليه وسلّم: ”كلّ ذنب عسى الله أن يفره إلاّ الرجل يموت كافرًا أو الرجل يقتل أخاه”، وفي الصّحيحين قال النّبيّ صلّى الله عليه وسلّم: ”لا يزال العبد في فسحة من دينه ما لم يصب دمًا حرامًا”).
هذا هو الإسلام.. جاء ليحافظ على النّفس البشرية وعلى دماء المسلمين وهذا حتّى لا يتلاعب النّاس بدماء المسلمين والاستهانة بها.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock