ثقافةمساهمات

“الـمَغرب الأوسط” ترصد آراء الصفوة

لا تزال أحداث “ساقية سيدي يوسف” و”غار الدماء” راسخة في الذاكرة الجزائرية التونسية

يَطرَح مُعِدُّ صفحة “مَراصِد ثقافيَّة” عبْر منبر “الـمَغرب الأوسط” سؤالاً كُلَّ أسبوع على أهْل الفلسفة والفكر والثَّقافة والتَّاريخ والتَّربية والتَّعليم والأدب والتَّرجـمة والنَّشر والإعلام والصِّحافة والاقتصاد والصِّحَّة والبيئة والإحصاء والاستشراف والتَّخطيط والسِّياسة والفنِّ والرِّياضة وغيرهم؛ ويَرصد كُلَّ حينٍ آراءهم بـحثًا عن علاجٍ لـمُشكلات وحلولٍ لأزمات ودفعٍ لأخطارَ مُحدِقة في الـمُجتمَع الـجزائريِّ والعربيِّ والأفريقيِّ والإسلاميِّ والعالَميِّ… يَعرض اليومَ الآراء الآتية:
إعداد/جـمال بوزيان

….الدكتور مصطفى الستيتي “باحث في التاريخ”
التاريخ التونسي الجزائري المشترك خير شاهد على متانة العلاقات الثنائية

قد يعجبُ كثير من العرب لهذا الانسجام والتّفاهم الذي يمّيز علاقة تونس بالجزائر سواء على المستوى الرّسمي أو على المستوى الشّعبي، وقد رأينا كيف أنّ الأعلام التونسية والجزائريّة ترفع دائمًا جنبًا إلى جنب في المناسبات الوطنيّة والرياضيّة، ورأينا هذا التّوافق الكامل في المواقف من القضايا التي تهم منطقة المغرب العربي أو القضية الفلسطينيّة أو غيرها من القضايا، وآخرها ما عبّر عنه رئيسا البلدين يوم الأحد 2 فبراير 2020 م أثناء زيارة الرئيس التّونسي إلى الجزائر في أول زيارة رسميّة له خارج حدود الوطن، وفي تعبير له دلالته قال الرئيس التّونسي:”إنّ الشّعب التّونسي والجزائري شعب واحد لكنّه يقيم في بلدين”.
إن هذا التّوافق والانسجام لا يمكن فهمهما دون الرّجوع إلى الذّاكرة التّاريخية والنّبش فيها. وتمر هذه الأيام ذكرى أحداث أليمة اختلطت فيها دماء التّونسيّين بدماء إخوتهم الجزائريّين، أحداث تسبّبت في مآسي وآلام لتّونسيّين عزّل ذنبهم أنّ المجاهدين الجزائريّين يحتمون ببيوتهم ويتدرّبون على القتال على أرضهم، ويمدّونهم بالمؤونة والطّعام عند الحاجة.
..السّاقية وأحداث فبراير 1958 م

اندلعت ثورة التّحرير الجزائريّة في 1 نوفمبر عام 1954 م بعد أن سادت قناعة لدى المجاهدين في الجزائر بأنّه لا يوجد حلّ وسط مع المحتل الفرنسيّ الغاشم، إما تحرّر كامل وإمّا فناء. وقد زاد من قناعتهم تلك ما ارتكبته فرنسا من جرائم مريعة في حق المدنيّين العزّل، وفي حق الدّين والهويّة واللّغة. لقد سعى الفرنسيّون إلى طمس جميع معالم الهويّة الجزائريّة بكل ما أوتوا من قوّة وبطش. وكان لا بدّ من اتّخاذ قرار حاسم للدّخول في مواجهة شاملة مع هذا المحتلّ رغم الفارق الكبير في الإمكانيّات، هذا المحتلّ الذي غزا الجزائر عام 1830 م وظلّ جاثما على أرضهم وصدورهم مدة 132 عاما. كانت تونس، وخصوصًا مناطق الشّمال الغربي مثل طبرقة وعين دراهم وغار الدّماء وجندوبة والكاف والقَصرين وغيرها تمثل القَاعدة الخلفيّة للثوار الجزائريّين، حيث كانوا يتّخذون منها مخابئ لهم وساحات للتّدريب، ومخازن للأسلحة ينقلونها عبر الجبال إلى داخل التّراب الجزائريّ. وكانت هذه المناطق كذلك مأوى لعشرات آلاف اللاّجئين الذين تدفّقوا عليها بعد أن تعاظم بطش الاستعمار الفرنسيّ وأصبحت حياة النّساء والأطفال والشّيوخ داخل الجزائر عُرضة لمخاطر جمّة، أمّا الشّباب فقد التحق أكثرهم بجبهات القتال.
وجاء الانتقام الفرنسي من أهالي تونس بأن شنّت عليهم الطائرات الفرنسيّة هجومًا مباغتًا في منطقة ساقية سيدي يوسف التي تقعُ اليوم في محافظة الكاف شمال غرب البلاد التّونسيّة، وكان ذلك يوم 8 فبراير 1958 م، واستهدف الهجوم مدرسةً وسوقًا مزدحمة بالتّونسيّين والجزائريّين، واختلطت دماؤهما معًا في مشهد ظلّت الذّاكرة المشتركة للشّعبين تحتفظ به، ويُحتفل بذكراه كلّ عام من قبل مسؤولي الجانبين. وبلغ عدد الشّهداء نحو الثّمانين فردًا ما بين نساء وأطفال، بالإضافة لعشرات الجَرحى والمصابين. وقد أثارت هذه الجريمة حفيظة المجتمع الدّولي، وزار المنطقة سفراء ودبلوماسيّون من دول كثيرة، وتم التّنديد بهذه الجريمة على نطاق واسعٍ.
…هواري بومُدين: 30 شهرًا يُدير المعركة من غار الدّماء
منطقة أخرى من مناطق الشّمال الغربي التّونسي المجاورة للجزائر، هي منطقة غار الدّماء التّابعة لمحافظة جندوبة وجَدت نفسها هدفًا للاعتداءات الفرنسيّة المتكرّرة، بل إنّ أهالي هذه المنطقة يَعتبرون أنّ استقلالهم إنما تحقق يوم استقلّت الجزائر عام 1962 م، أمّا استقلال تونس الذي أُعلن بتاريخ 20 مارس 1956 م فلا علاقة لهم به لأنّ أراضيهم كانت مُستباحة من قبل الجيش الفرنسيّ، يقصفها بالمدافع ويُطارد فيها المجاهدين الجزائريّين وينتقم من الأهالي بسبب تقديمهم الدّعم للثّوار. وهنا يتعيّن التّذكير بأنّ هذه المنطقة آوت نحو 80 ألف لاجئ جزائري أقاموا هناك وتقاسم معهم الأهالي ما يملكون من المسكن والملبس والمأكلِ، ونُسجت بينهم علاقات زواج ومُصاهرة، وكثير من التّونسيين تزوّجوا من جزائريّات، وكثير من الجزائريّين تزوّجوا من تونسيّات. والأمر الآخر المهم أن الزّعيم الجزائريّ هواري بُومدين أقام بهذه المنطقة نحو 30 شهرًا يُنظّم صُفوف المجاهدين، ويُدير المعركة داخل التّراب الجزائريّ ضد الفرنسيّين انطلاقًا من هُناك. وكان معه قادة آخرون كبار من بينهم الرّئيس الجزائري الأسبق الرّاحل الشّاذلي بن جديد. وكانت لهم علاقات طيّبة مع الأهالي ما يزال كبار السنّ يذكُرونها حتّى اليوم.
ولم تكتفي فرنسا بما ارتكبته من مجزرة في ساقية سيدي يوسف بل أرادت أن تنتقم هذه المرّة من هذه المنطقة الوادعة، لقد أرسلت حمم مدافعها من منطقة سيدي الهميسي الواقعة على الحدود داخل التّراب الجزائري يوم 23 يناير 1961 م وقتلت عددًا من المدنيّين التونسيّين وجرحت عددًا آخر، كان هذا بعد خمس سنوات من إعلان الاستقلال. وتوالى القصف لمناطق أخرى تابعة لغار الدّماء مثل عين سلطان ووشتاتة والعيون وغيرها. وكانت هذه مناسبة أخرى يُقتل فيها تونسيّون فداء لإخوانهم الجزائريّين فتعمّدَت الأُخوّة بين الشّعبين بالدّماء وتوثّقت الصّلات بينهما بحيث أصبح عصيًّا على الأيّام أن تنال منها.
وعند ما أُعلن عن استقلال الجزائر يوم 5 يوليو عام 1962 م وحان الوقت لعودة الجزائريّين إلى وطنهم الأمّ كانت لحظات صعبةً على إخوة عاشُوا معًا أشدّ المحن والصّعاب بصبرٍ وجلَدٍ ومحبّة، وكان ينبغي لهما أن يفترقوا. ويَذكر شُهود تلك المرحلة أنّ التّوديع كان بالبُكاء والدّموع. ورغم رجوع الجزائريين إلى بلادهم فإنّ النّسيج الذي رُبط بين الطّرفين ظلّ متواصلاً حتى اليوم، نسيج قُدّت خيوطه من الدّم والدّموع الأخوّة والفداء والتّضحية. تلك هي جذور هذه العلاقة المتميّزة بين الشّعبين التّونسي والجزائريّ، وهي تتبدّى باستمرار في مناسبات كثيرة. وقبل سنوات قليلة عندما استهدف هُجوم إرهابيّ تونس، وأعلنت شركات أوروبيّة عن وقف رحلاتها السياحيّة إلى تُونس تدفق الجزائريون بمئات الآلاف على تونس بسيّاراتهم مُعلنين أنهم لن يتخلّوا عن تونس، وأنّهم سوف يُعوّضون ما يحصل من نقصٍ قد يضرّ باقتصاد البلاد.

….الأستاذ فريد مرازقة السلمي القيسي “شاعر”
تضحيات أجدادنا لم تكن للتحرر من الاستدمار فحسب بل للحفاظ على الأُخوَّة وللوحدة الجغرافية العربية الأمازيغية الإسلامية

في الحقيقة مظاهر التضامن بين الجزائريين والتونسيين لم تظهر فقط في حقبة الاستدمار الفرنسي بل قبل ذلك بكثير، حين نعود بالتاريخ إلى وقت مضى نرى أن معظم القبائل خاصة العربية تنحدر من أصول إما قحطانية أو عدنانية، وهذا ما أثبته ابن خلدون.
في رحلة بحثي المتواضعة عن أصول عائلتي اكتشفت أنني من مرازقة بني سُليم القيسية، وما زاد دهشتي هي أن هذه القبيلة بالذات موجودة أيضا في تونس، وتقريبا جل دول المغرب العربي، هذا فقط مثال واحد، لكن إن بحثنا في أصول عائلات أخرى سنجد عشائر أخرى هي نفسها في الجزائر كما في تونس، حتى بين الأمازيغ لا فقط العرب. أي أن دماء الجزائريين والتونسيين يمكن اعتبارها دما واحدا.
إن اتفاقية (سايكس بيكو) كان الهدف الرئيسي منها هو تقسيم ولايات الدولة العثمانية آنذاك بين فرنسا وبريطانيا.
نعم، لم يكن ذلك دون نتائج فاتفاقية “سايكس بيكو” حالت دون تأسيس دولة عربية موحدة، لكن ذلك لم يطمس نزعة العروبة لدى كل من كان يعيش بهذه الولايات.
ثم أتت حقبة الاستدمار الفرنسي الذي حاول خلق بعض الشقاقات بين سكان المغرب العربي عامة والشعبين التونسي والجزائري خاصة، وذلك لم ينجح، حيث أن الشعبين كافحا هذا الاستدمار جنبا لجنب رغم محاولات فرنسا التفرقة بين الشعبين عبر خطي “شال” و”موريس”، وحتى بين أفراد الشعب الواحد، كي تخنق الثورة الجزائرية وتحصرها في رقعة جغرافية معينة لكنها كانت تهمل عوامل عديدة (وحدة الدم، وحدة التاريخ، وحدة التفكير، وحدة الدين، ووحدة المصير).
هذا ما جعل الشعبين يتوحدان مجددا لتختلط الدماء من جديد، وذلك ما تشهد عليه حادثة ساقية سيدي يوسف التي استشهد فيها جزائريون وتونسيون جنبا لجنب.
كل تلك التضحيات سجلها التاريخ، و كانت سببا في لم الشمل مجددا، حاليا يمكن القول إنه حتى وإن كانت هناك حدود جغرافية أو سياسية فالشعبان بينهما رابط متين عرقيا، تاريخيا وحتى حضاريا، ولا يمكن قطعه بيسر.
من هذا المنطلق، يجب أن تعلم الأجيال القادمة أن تضحيات أجدادهم لم تكن فقط من أجل قضية تحرر من الاستدمار، بل هي حفظ للأصالة والأُخوَّة ونضال من أجل الوحدة الجغرافية، العربية، الأمازيغية، الإسلامية وأكبر من ذلك، وحدة التاريخ والمصير.
بكل صراحة، وعكس ما يظنه بعض المتشائمين، المستقبل سيكون مشرقا، وبإذن الله ستكون هناك بوادر لتوحيد المغرب العربي الكبير.

….ذكرى بن عيدة “شاعرة”
التاريخ وقرب الرقعة الجغرافية بين الجزائر وتونس ودماء الشهداء يجعل كلانا نعتز بماضينا ونسعد بحاضر يجمعنا

إن الباحث المتتبع في التاريخ يعرف تمام المعرفة العلاقات الأخوية التي ربطت الجزائر وتونس إبان الاستدمار الفرنسي، ولعل أكبر حدث بين هذا التلاحم هو حادثة ساقية سيدي يوسف التي راح ضحيتها 68 مدنيا من تونس والجزائر لتختلط الدماء الزكية لهذين الشعبين إثر قصف هته القرية التابعة لولاية الكاف التونسية القريبة جدا لمدينة الحدادة الجزائرية التابعة لولاية سوق أهراس، لقد شكلت تلك القرية آنذاك منطقة استراتيجية لجيش التحرير تم استخدامها كقاعدة خلفية للعلاج واستقبال الجرحى، مما دفع الاستدمار إلى ضرب القرية الحدودية. ولا يخفى علينا أن هذه المنطقة تعرضت قبل هذا القصف لعدة هجمات من فرنسا أبرزها كان يومي 1و2 من شهر أكتوبر1957 م عند ما أصدرت فرنسا قرارا بملاحقة الثوار الجزائريين داخل التراب التونسي رغم رفض باي تونس حسين باي مساعدة الداي حسين بعد ما طلب منه الدعم حين اشتد الحصار على الجزائر إلا أن الشعب التونسي في تلك الفترة وقف وقفة معاكسة وأكد دعمه للشعب الجزائري..
إن التضحيات التي قدمها هذا الشعب للثورة الجزائرية تؤكد على التلاحم والتآزر بين الشعبين وقوة رابط الأخوة الذي يجمعهما وإيمانا منهم بأن استقرار تونس باستقرار الجزائر، يجب زرع قِيم الحب والأخوة في قلوب الناشئة من الجيل الحالي والأجيال اللاحقة ونعلمهم التاريخ ونزرع في نفوسهم أمل بالوحدة العربية فكلنا رغم اختلاف أنسابنا وأجناسنا وثقافاتنا لا ننسى أن الإسلام والتاريخ والعروبة أمور تجمعنا _ليس تونس والجزائر فقط بل كل بلاد العرب_، ونزرع فيهم وفينا إيمانا أن ما فرقته اتفاقية “سايكس بيكو” ستجمعه يد الله، وإن شئنا ذلك فالتاريخ وقرب الرقعة الجغرافية بين البلدين ودماء الشهداء يجعل كلانا نعتز بماضينا ونسعد بحاضر يجمعنا، ونأمل خيرا كل الخير في مستقبل يعزز روابط طيبة، ويجعلنا شعبا واحدا. بلاد العرب أوطاني وكل العرب إخواني.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى

أنت تستخدم إضافة Adblock

برجاء دعمنا عن طريق تعطيل إضافة Adblock