فني

فؤاد التهامي: رحيل المناضل التسجيلي

قبل نحو ربع قرن، أصدرت الكاتبة والناقدة ميّ التلمساني كتاب “فؤاد التهامي وزهرة المستحيل” (صندوق التنمية الثقافية، 1995)، تناولت فيه مسيرة أحد أهمّ روّاد السينما التسجيلية في مصر. فيه، كانت أكثر الجُمل المُفسّرة والموحية، المنقولة عنه، قوله إنّ “الفيلم التسجيلي يزدهر في حالتين: الأولى أن ينتمي إليه ويصنعه فنان مناضل، والثانية توافر المناخ الديمقراطي الذي يفجر طاقته المبدعة”. فهذا المبدع الكبير، الذي توفّي بهدوء في 30 نوفمبر/ تشرين الثاني 2019، عن 85 عاماً، عاش عمراً كاملاً يتعامل مع الأفلام والسينما كوسيلة نضال، ويبحث عن مناخٍ ديمقراطي يعبّر فيه عن نفسه ومجتمعه ومكانه.

يُمكن فهم قوله بأنّ “السينما التسجيلية يصنعها فنان مناضل” بالعودة إلى بداياته الأولى، في أول العشرينيات من عمره، مع اعتقاله في عهد جمال عبد الناصر بسبب نشاطه السياسي، كآلاف اليساريين المعتقلين في “سجن الواحات”. حينها، ازداد تفاعل التهامي ووعيه الإنساني والفني. وعند خروجه من الاعتقال، قرّر العمل مساعداً لأخيه، مخرج السينما التسجيلية، صلاح التهامي، الذي حقّق مسيرة بارزة، فتعلّم الشقيق الأصغر منه كلّ شيء، عن الأفلام وعن مقدار تأثيرها. والأهمّ: قراره منذ ذلك الحين أنّ تلك هي “وسيلته في النضال”، كما قال لمي التلمساني في كتابها.

انتمى فؤاد التهامي إلى جماعة “السينما الجديدة”، أبناء “ما بعد نكسة 1967″، الثائرين على الجيل السابق، والحالمين بسينما أكثر حدّة وثورية، كرأفت الميهي ومحمد راضي وعلي عبد الخالق، وغيرهم. أخرج أول أفلامه، “ثلاثة أسابيع نشطة”، عام 1968، أتبعه بأعمال تسجيلية مهمّة، في تلك الفترة، كـ”مدفع 8″ (1971) و”شدوان” (1972)، عن حرب الاستنزاف، قبل تطوّعه مصوراً حربياً أثناء “حرب أكتوبر” (1973).

كان ينظر إلى أفلامه من زاوية نضالية بحتة، باعتبار أن ذلك ما يستطيع المساهمة به أثناء المعركة، مقدّماً توثيقاً بصرياً عن تلك المرحلة.

بعد الحرب، وفي ظلّ تغيّر مناخ السينما في مصر، وتراجع الدولة عن دعم صناع الأفلام، عمل فؤاد التهامي مُخرجاً في العراق أعواماً عديدة، منجزاً خلالها “يسقط الصمت” (1974) و”أغنية عمل عراقية” (1977) وغيرهما. لكنّ الأهمّ كامنٌ في أنّها مرحلة تحقيقه فيلمه الروائي الوحيد “تجربة” (1978)، وهو مهمّ لاحتفاظ التهامي فيه بكل عناصر سينماه التسجيلية، مع تقديمها في قالب روائي، فصوّر في أماكن حقيقية (إحدى القرى الزراعية في العراق)، وحافظ على الحسّ الاجتماعي (أزمة جفاف الأراضي، ومحاولة الفلاحين إيجاد حلول)، عاملاً بالمنظور نفسه: “فنان مناضل”.

مع عودته إلى مصر، ورغم ازدياد الوضع صعوبة، من ناحية التمويل والإنتاج، أخرج أفلاماً اجتماعية، مبرزاً المكان والناس: “عن القرية والمدينة والزلزال”، عن أثر زلزال أكتوبر/ تشرين الأول 1992 على المصريين، و”أحوال المرأة المصرية في قرية الإخصاص” (1995)، مقيماً بين أناس قرية مصرية في تسعينيات القرن الـ20، وعائشاً معهم عن قرب.

رغم توقّفه عن صنع الأفلام، ظلّ يدعم الشباب، تدريساً في “المعهد العالي للسينما”، ورئيساً لـ”اتحاد السينمائيين التسجيليين في مصر”. كُرِّم عام 2014، في “المهرجان القومي للسينما الـ18″، فاستقبل التكريم بتأثّر شديد، مؤكّداً مكانة السينما التسجيلية المصرية، رغم عدم حصولها على الدعم الكافي.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.

زر الذهاب إلى الأعلى