ثقافةمساهمات

“الـمَغرب الأوسط” ترصد  لجوء بعض الكُتاب إلى عناوين غريبة لمؤلفاتهم لاستدراج القراء والـشهرة مغالطة كبرى

يَطرَح مُعِدُّ صفحة “مَراصِد ثقافيَّة” عبْر منبر “الـمَغرب الأوسط” سؤالًا كُلَّ أسبوع على أهْل الفلسفة والفكر والتَّاريخ والأدب والثَّقافة والفنِّ والسِّياسة والاقتصاد وغيرهم؛ ويَرصد كُلَّ حينٍ آراءهم بـحثًا عن علاجٍ لـمُشكلات وحلولٍ لأزمات ودفعٍ لأخطارَ مُحدِقة في الـمُجتمَع الـجزائريِّ والعربيِّ والأفريقيِّ والإسلاميِّ والعالَميِّ… يَعرض اليومَ الآراء الآتية.

 …..الدكتور ناعوس بن يحيى “أستاذ جامعي

عناوين ذات طابع تجاري تجعل القارئ يُقبل على الكِتاب رغبة في إشباع نهمه المعرفي

 تبرز الحقيقة أن العناوين المختارة هي ذات طابع تجاري على الغالب، وهي مغالطات تعتمد لتجعل القارئ يُقبل على الكِتاب رغبة في إشباع نهمه المعرفي، ولكنه يصاب بخيبة أثناء تصفح الكِتاب فيتأكد بأنه وقع فريسة للعناوين البراقة التي غالبا ما تستعمل طعما لجلب كثير من القراء، ليس بهدف نشر المعرفة، وإنما لجلب الربح التجاري فقط… وتختار العناوين ليس مطابقة للمحتوى وإنما وفق ما هو رائج في الواقع ولدى عامة المثقفين، والأمثلة على ذلك كثيرة.

زيادة على ما سبق نلاحظ أن الحجة أصبحت العملة الرائجة في مغالطة القارئ من أجل تمرير كثير من مادة الكتب التي لا ترقى علميا وثقافيا،  وتساعد على تطوير المعارف، ونستطيع أن تحمل هذه الأنواع من الحجج المغالطة. 1- المصادرة على المطلوب/وهي حجة يستند علها من يريد أن يغلطنا فيعرف الإسلام بالإسلام من أجل أن يمرر فكرته التي يريد أن ينشرها.  2- مسرحية المسكين/ المتسول، يستدر الشفقة (كجعل الفئة التي ينتمي لها مظلومة ومسلوبة الحقوق من أجل أن يجلب عطف المتلقي). 3- تبييض الحائط/تهتم بالأشكال “قد تشتري كِتابا فيه عنوان مثير ومحتوى فارغ وقس على ذلك. 4- مغالطة ساعي البريد/ بدل أن نلوم الرسالة نلوم ساعي البريد.  5- المنحدر الزلق/ تؤدي الزيادة في الأجور إلى عجز في الميزانية ثم إلى شلل في الاقتصاد. 6- مغالطة الرنجة الحمراء/ يُنسب اسم المغالطة لحيلة كان يستخدمها المجرمون الفارون لتضليل كلاب الحراسة التي تتعقبهم، وذلك بسحب سمكة رنجة حمراء عبر مسار هروبهم، وبما أن هذا النوع من السمك له رائحة شديدة فإنها تغطي على رائحة المجرمين فيصعب على الكلاب تمييز رائحتهم، وهي مغالطة منطقية تتمثل بعرض بيانات أو موضوعات أو أسباب جاذبة خارجة عن الموضوع لتشتيت انتباه الطرف (أو الأطراف) الآخر عن الموضوع الأصلي. 7- مغالطة التفرد/خاصة في الإشهار (أنها الجماعة الناجية أو الفئة المنصورة أو المفضلة أو أن المادة فريدة). 8- مغالطة التعميم المتسرع/هو كل خصم يتحمل خطأ فرد واحد منهم. 10- مغالطة قياس قيمة المعرفة/ تسونامي المعلومات (وهذه غالبا ما تستعمل لتغطية الحقيقة بسيل من المعلومات غير محقق فيها أو وضعت في غير موضوعها).

بعض الأمثلة على ذلك. أ- تحويل النقاش إلى قضايا بعيدة عن الجوهر عن طريق مغالطة (الرنجة الحمراء).

هذا ما استطعنا أن نتحدث عنه في هذه الورقة، وللموضوع تتمة بحيث نأتي بأمثلة من الواقع الثقافي المعيش.

 ….أحـمد عواطي “روائي وصحفي

وضع أي عنوان عشوائي دون مراعاة الجانب الفني يضر بالعمل الأدبي

 هذا الموضوع مهم جدا، وحساس للكُتاب والقراء معا… إن عناوين الكتب تختلف من موضوع إلى آخر، للإبداعات الأدبية (شعر وقصة ورواية)، وخاصة الصنف الثالث الذي ذكرته آنفا، يعتبر حسب رأيي من أصعب الأمور أن تضع عنوانا مناسبا لرواية ما، أحيانا يكون العنوان بسيطا لكنه قوي، ويعبر عن تلك الرواية مثلما فعل الكاتب الكبير فيكتور هيجو في روايته الخالدة “البؤساء”، ومثلما كان مع الكاتب أرنست همنجواي في روايته “العجوز والبحر” فهو عنوان يعبر فعلا عن تلك الرواية الجميلة التي حولت بعد ذلك إلى فيلم سينمائي، في بعض الأحيان يكون هناك عنوان رمزي لكنه يعبر عن تلك الرواية بطريقة أخرى، وقد يعبر أحيانا العنوان للدلالة فقط غن الرواية، لكن يظل العنوان الذي يختاره الكاتب مهما كان يعبر عن روايته سواء كان مباشرا أم غير مباشر… العناوين بكثرتها قد تختلف من رواية إلى أخرى، لكن الأهم هو ما ينشر في محتوى الرواية بحيث يكون الروائي يكتب عن العنوان نفسه مهما كان هذا العنوان يمثل الرمزية، أعود إلى سؤالك هل هي لأسباب تجارية أم لقلة خبرة وضعف؟ أظن أن من بين الكُتاب من يضعون تلك العناوين لسبب تجاري، معتقدين بأن عنوانا لافتا للقراء سيجعل من روايتهم رواية مشهرة، وقد تجد من الكُتاب أيضا من يضعون عناوين ليست مطابقة لما يقولون لقلة خبرتهم وضعف مطالعتهم لشتى أنواع الأدب، وأعود لأقول إن عنوان الرواية مهما كان رمزيا يجب أن يعبر عن محتوى الكتابة أو يوحي على الأقل بأن هناك ترابطا بين العنوان والرواية أو القصة ولو بالرمزية مثلما فعل الأديب المصري نجيب محفوظ في روايته “اللص والكلاب” والكاتب عبد الحميد بن هدوقة في روايته “ريح الجنوب”… أما أن تضع أي عنوان أو عنوان عشوائي دون مراعاة الجانب الفني فهذا يضر بالعمل الأدبي، أظن أن العنوان هو عمل أدبي أيضا بعض العناوين التي قرأتها في هذا العام، هي بعيدة عن الجانب الفني للإبداع، ويبقى في الأخير على المبدع مهما كان أن لا يتسرع في أعماله الإبداعية، هي تتطلب الوقت الكثير والجهد أيضا.

 ….عقيلة مراجي “ناقدة

عنوان الكِتاب واجهته وهويته، جـمالها من جـماله وقيمتها من قيمته

 يتخذ العنوان مكانا مركزيا في كل مؤلف مهما اختلفت مجالاته، ووظيفة حيوية في تأطير وتجنيس الكِتاب، حيث يعتبر مفتاحا للنص، وذلك ليس لأنه أول ما يواجه القارئ ويجذبه للمؤلف فقط، وإنما لأنه يشكل شفرة من شفرات المعنى التي يبني عليها القارئ تصوراته للوحدات الدلالية والتي تنتظم في نسق دلالي كلي بعد أن تتكشف تدريجيا في عملية القراءة، فهو إذن يلعب دَورا حيويا فيها، وقد حظي العنوان باهتمام كبير في الدراسات النقدية المعاصرة في ظل سيميائيات النص ونظريات القراءة، وقد تعزز هذا الاهتمام منذ كتب “جيرار جينات” كِتابه الشهير “العتبات” باعتبارها أهم دراسة علمية  ممنهجة للعتبات النصية.

لكن بالرغم من كل الجهود التي بذلت حول العنوان وأهميته، إلا أننا نلحظ أحيانا كثيرة استهتار بعض الكُتاب بأهميته، بطريقة أو بأخرى ولسبب أو لآخر، حيث يكللون نصوصهم ومؤلفاتهم بعناوين لا تمت بصلة إلى المحتوى، ما يجعل القارئ يكتفي بانطباع سيئ حول النص وكاتبه، ما الأسباب الحقيقية التي تكمن وراء هذا؟ وهل ترجع إلى ضعف وقلة خبرة أم إلى أغراض تجارية؟.

إن اختيار العنوان جزء من خطة محكمة التصميم، يتبعها الكاتب ليخلق علاقة حقيقية بين المتن والعنونة، أحيانا يكون العنوان أول ما يوضع، حين يكون التصور استشرافيا للنص، وقد يكون آخر ما يضعه الكاتب، وربما يضعه في منتصف العمل ثم يعدله وهكذا، لكن ينبغي على الكاتب أن يكون اختياره دقيقا مبنيا على معياري الجمال والدلالة. هذا من جهة ومن جهة أخرى، إن العنوان يشكل سلطة النص وواجهة الكِتاب من الجانب الإعلامي، ولذلك يقع الكثير من الكُتاب في خطأ المزايدة على الكُتاب عن طريق العنوان، ويعمدون إلى وضع عناوين صادمة أو خارجة عن المحتوى العام، لغرض تجاري، رغبة منهم في استثارة القارئ وجذب انتباهه.

وهم لا يعلمون أنهم بذلك يقتلون ثقة القارئ في الكِتاب. إذ أن دهشة العنوان تتبعها رغبة في إشباعها من قبل القارئ، الذي سرعان ما يجدها غائبة تماما في النص. ما يجعله يمتعض امتعاضا شديدا كردة فعل تجاه بنية الكِتاب ومستوى مؤلفه. وقد يبني الكاتب عنوانه على مستوى رمزي، ويصعب على القارئ إدراك مراميه، ويتعذر عليه الربط  بين النص والعنوان، وهذا راجع إلى أسباب عديدة أهمها عدم تناسب المستوى الثقافي بين المرسل والمتلقي.

إذا يعود انتفاء التطابق بين عناوين المؤلفات المنشورة ومحتواها للسببين معا، لقلة خبرة وضعف، ولأسباب تجارية. ولكن في كلا الحالتين الأمر يحتاج إلى إعادة نظر من قبل الكاتب، إن الإبداع يثمر عند ما يحين وقت ثمره ولا يُجبر على الإثمار في غير أوانه، فالنظرة المادية للإبداع تقتله قبل أن يولد، أما قلة الخبرة فهي أكثر قبحا، وعليه دائما أن يجعل عنوانه صورة عن كِتابه وأن يولي اهتماما لمبدأ التناسب الدلالي بين العنوان والمتن، وإلا اعتبر هذا إجحافا في حق النص، واستخفافا بالقارئ، تماما كالطفل يولد ولا يختار له والده اسما مناسبا وجميلا  فيعيش حاملا عقدة اسمه حتى يموت!.

 ….إسماعيل الهدار “شاعر

اعتماد عنوان ثابت منذ بداية العمل الأدبي يعد السبب الرئيس وراء بروز ظاهرة غياب التطابق

إن مسألة ضبط عنوان العمل الأدبي تٌعد عملية دقيقة وصعبة… “عملية دقيقة ” لأنها تجسد مرحلة تتويج المؤلف أو المخطوط وذلك من خلال إقرار اسم فريد وطريف لـ”المولود الأدبي” الجديد، عبارة كثيرا ما يتناقلها الوسط الثقافي عامة والأدبي خاصة.

عملية صعبة ” لأنها تعبر عن لحظة الحيرة والتردد لدى الكاتب الذي سيجد نفسه أمام العديد من الفرضيات الأمر الذي يحتم عليه في الأخير الاختيار والإقرار. وعليه فإن عملية تحديد عناوين المؤلفات ليست بالعملية الاعتباطية أو كذلك الهامشية وإنما هي مرحلة تنهل من معطيات ودلالات المعقول والمنطقي الشيء الكثير.

   غير أن إشكالية مدى تطابق عناوين الأعمال الأدبية وجوهرها كانت محل العديد من الانتقادات على الساحة الثقافية. إذ أن غياب العلاقة والترابط بين عنوان المخطوط ومحتواه يرجع إلى العديد من الأسباب ولعل من أهمها الحضور المكثف والمجحف للمعطى التجاري الأمر الذي ساهم تدريجيا في الانحراف عن جوهر ومقاصد الواقع الثقافي والأدبي وبذلك تشويهه. حيث أن البعد التجاري لا يعتد بمدى توافق عناوين المؤلفات ومحتواها وإنما هاجسه الأوحد وهدفه المنشود تحقيق معطى “الربح” مما يؤدي إلى الإقرار بعلوية الدلالة الاقتصادية على كل ما هو ثقافي وأدبي

كما أن انتفاء العلاقة التفاعلية بين عنوان العمل الأدبي وجوهره يمكن أن يتجلى من خلال سوء اختيار اسم المخطوط الذي يعبر عن تسرع الكاتب لحظة إنهائه لفعل الكتابة الأمر الذي من شأنه أن يحيلنا إلى معطى “قلة الخبرة” لاسيما وأن صاحب القلم ما يزال في أول الطريق يبحث وبشدة عن البداية المثالية حتى يتمكن من الانخراط في الصرح الثقافي والأدبي. ليتجلى لنا هنا دَور القارئ في الحد من هذه الظاهرة الأدبية وذلك من خلال توجيه النقد الموضوعي والعقلاني ليتسنى للكاتب مستقبلا تفادي معطى التسرع وبالتالي اكتساب الخبرة.   

وأعتبر بأن مرحلة ضبط العناوين هي لحظة تتويج لما أنجزه فعل القلم. إذ أن التتويج لا يكون إلا مع النهاية. وانطلاقا من تجربتي المتواضعة، كثيرا ما أتجنب وضع عناوين لكتاباتي الأدبية والشعرية في البداية حتى أتفادى مظاهر التقيد والتكبيل. وبالتالي من العسير والشائك إقرار عنوان ثابت منذ البداية لنص أدبي يحمل في طياته الطابع الإبداعي. ولعل اعتماد عنوان ثابت منذ بداية العمل الأدبي يعد السبب الرئيس وراء بروز ظاهرة غياب التطابق والترابط بين عناوين المؤلفات المنشورة ومحتواها.

يتبع……

 

 

 

 

 

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.