فني

من منير ودياب إلى فرق الأندرغراوند

التمرّد الموسيقي في مصر... 

شهد جيلا السبعينيات والثمانينيات في العالم العربي ولادة نجومية محمد منير وعمرو دياب، وتربعهما على عرش موسيقى البوب المصرية بشكل شبه مطلق. الجيل نفسه كان شاهداً مطلع الألفية الجديدة على ظهور عدد كبير من الفرق الموسيقية، منها ما اقتحم عالم الموسيقى التجارية، مثل “أم تي أم” أو “واما”، ومنها ما برز من عالم الأندرغراوند، مثل “بلاك تيما” و”وسط البلد”.

اليوم وبعد ما يقارب 15 عاماً على ظهور فرق الأندرغراوند، وأكثر من 35 عاماً على الإطلالة الأولى لمحمد منير وعمرو دياب، تبرز علاقة معقدة بين هذين الجيلين والنوعين الموسيقيين.

يعتقد البعض أن دورة حياة المنتَج الموسيقي تبدأ من الموسيقى المستقلة وتتحول تدريجياً إلى موسيقى تجارية. ومكانها تظهر موسيقى بديلة أخرى، على اعتبار أن الأندرغراوند مساحة للتجارب الفنية، عن طريقها يمكن جس نبض الشارع والجمهور، وإقحام شكل موسيقي جديد على الساحة. وفي حال تقبّل الجمهور الموسيقى الجديدة يبدأ منتجو السوق التجارية في تقديمها بشكل تجاري، بعد عملية من التأهيل والإزالة والإضافة، لتصبح الموسيقى المستقلة بدورها تجارية تتماشى مع خارطة السوق.

لكن هذه الخارطة لصعود الموسيقى من المستقل إلى التجاري، ليست بالضرورة صحيحة، وهو ما يثبته التاريخ. لنَعُد إلى نهاية الستينيات وبداية السبعينيات، عندما بدأت بعض التغييرات تظهر في المشهد الفني المصري. وقتها كان قد رحل أبرز نجوم “الزمن الجميل”، ودخلت إلى الأغاني أشكال جديدة من الموسيقى والآلات والتوزيعات. حينها بدأت بالظهور فرق موسيقية خارج الإطار المتعارف عليه للأغنية المصرية، ووضحت قدرة الجيل الجديد على التعامل مع الموسيقى الغربية، فكانت فرق مثل “بلاك كوتس”، و”ليه بوتي شاه”. شكلّت هاتان الفرقتان النواة الأولى لفكرة الفرق المصرية المستقلة، والبديلة عمّا يقدّم في تلك الفترة في السوق التجاري.

بعدها توالى ظهور الفرق الشابة، مثل “الأصدقاء”، و”المصريين” و”طيبة”، و”فور أم”، و”النهار”. فرق قررت أن تتمرد حقاً على الموسيقى المصرية المتعارف عليها، من خلال الكلمات البسيطة والدرامية المبنية على القصة والحكاية، مع شعراء قادمين بقوالب جديدة، مثل عصام عبد الله، أو شعراء كبار قرروا المخاطرة مع هذه الفرق المجنونة، مثل صلاح جاهين مع فرقة “المصريين”. لكن إلى جانب الكلام، فإن الألحان وأصوات المغنين أيضاً كانت مختلفة تماماً عن مفهوم اللحن الجميل والصوت الطربي.

تمرّد ذلك الجيل على الغناء المصري بكل موروثاته، فبدأ بالتحرك خارج إطار الوعي الجماعي للموسيقى داخل مصر، الوعي المكون من الدولة ودعامته منذ ثورة 1952. لذلك لم يكن الخروج عن تلك المنظومة سهلاً. من رحم كل هذا التجديد والتمردّ خرج علينا مشروعان قائمان على الغناء الفردي تفصل بينهما بعض السنوات. البداية مع محمد منير في نهاية السبعينيات، ثم عمرو دياب مطلع الثمانينيات. بدا المشروعان مختلفان شكلاً ومضموناً، لكن الجامع بينهما أنهما شكلا امتداداً لحالة التمرد التي أشعلتها الفرق الموسيقية في مصر. وما يؤكد ذلك أن بدايتي منير ودياب كانتا على يد ملحني، وعازفي، وموزعي الفرق، مثل هاني شنودة، وفتحي سلامة، ويحيى خليل، وعزيز ناصر، وغيرهم.

لكن التمرّد لم يكن فقط على الكلمات والألحان والتوزيع، بل جاء محمد منير ليكسر قوالب كثيرة في تشكيل شخصية المغني، من شكله البسيط، وشعره غير المسرح، والمايكروفون الملتف حول عنقه، وحركة جسمه مع الموسيقى، ومظهره على المسرح مع رفضه لفكرة الملابس الرسمية. إضافة إلى تأكيده مراراً أنه لن يسير وراء أحد أو يكمل مسيرة أحد، فرفض غناء الأغاني القديمة، خصوصاً أغاني النجم الأهم في الجيل السابق، أي عبد الحليم حافظ. كما رفض أن يكون مثل هاني شاكر ومحمد ثروت وكل من وقع في فخ إكمال مسيرة السابقين.

مع عمرو دياب كان الوضع مختلفاً قليلاً. كان “الهضبة” في بداياته متأرجحاً بين الفلكلور وبين تجربة منير، تارة يسير وراء الفلكلور وتارة يسير وراء “الكينغ”، حتى أنه قدم أغنية “أمي الحبيبة”، التي كان منير قد غناها قبله. وفي الوقت نفسه أعاد غناء أغنية بحر أبو جريشة “ماله”. كان واضحاً على دياب أنه أكثر تسامحاً من منير مع الجيل السابق، فقدم أغاني حليم في حفلاته من دون أي خوف من المقارنة التي لن تكون في صالحه بكل تأكيد. كان يبحث وقتها عن طريقه، ويحاول الإمساك بصوته الخاص. وهو ما استمرّ لسنوات قبل أن يرسم خطّه الخاص.

بعد أكثر من 20 عاماً من ظهور منير ودياب، برزت على مسرح “ساقية الصاوي” فرقتان، هما “وسط البلد” و”بلاك تيما”. بدت البداية مبشرة، ثمّ تدريجياً خرجت الفرقتان من هامش الفرق المستقلة إلى العالم التجاري، إما بشكل جماعي أو بشكل منفرد لبعض أعضاء الفرقة، حتى قبل ثورة 25 يناير.

إذا نظرنا إلى إنتاج الفرقتين نجد خطاً جديداً، تحديداً في اختيار الكلمات: “كسر المجنون مرايته، لما ما لقاش صورته فيها، قام خبطها بكعب حظه اللي صداه سنين طويلة” (أغنية مجنون لـ”بلاك تيما”)، أو “مجنون مجنون وجنوني بإختياري، بصرخ بعلو صوتي يا عَواصِم انهاري” (أغنية مجنون لـ”وسط البلد”)، وغيرها من كلمات الأغاني المختلفة عن السوق بشكل كامل. حتى المواضيع العاطفية تمت مقاربتها باستخدام الكوميديا السوداء، فكانت مثلاً أغنية “عانقيني” لـ”وسط البلد” ثورة في عالم التعبير العاطفي.

بدا كل ذلك جميلاً وحالماً، لكن عند التدقيق بالموسيقى نفسها، فشلت هذه الفرق في تقديم ما يصدم (إيجاباً) الأذن. فكانت مجرد موسيقى تعتمد على عازفين أصحاب مهارة ومحبين للموسيقى وقادرين على العمل بأقل الإمكانيات. اليوم وبعد كل هذه السنوات لا يزال منير ودياب يتربعان على قمة الغناء التجاري في مصر، بينما يتربّع “بلا تيما”، و”وسط البلد” على مشهد الفرق المستقلة بسبب أقدميتهما، رغم ظهور فرق كثيرة ناجحة بعد ثورة 25 يناير 2011، مثل “كايروك

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.