ثقافةمساهمات

 اللحن القدسي

قصة بقلم الأديبة سحر القوافي

تسامر الليل ..يرحل وتبقى تدق أبواب المدينة الجديدة ..تقف على الأرصفة وحيدة..ليل بلا قمر..تتذكر الشهيد ..تلج عوالمه الفريدة..يحمل إليها الود وسلالا من الورد وأحلام الطفولة والبطولة ..تنادي هذا اللحن المشكل بالدماء..هذا السحر المشع من روح الثرى الندي وتسأل بغربتها المفجعة سر رحيله العاجل وتماهيه في الوطن ..وتأبى عيونها الولهة أن تبتعد عن المحراب القدسي ..وتصد بنظراتها المعاتبة كل من أراد غزو قلعتها الحصينة أو سولت له نفسه أمرا مهينا..ذكراه لوحدها تملأ عليها حياتها وأيامها..يسكنها الصمت والكبت والقهر والظل..تزبد كالبحر وتدمدم كالرعد وتولول كالعاصفة..وتبني له أجمل حلم..وتنحته أبدع تمثال ينشد الأبدية..تبعث فيه بمخيلتها ارتعاشات الحياة الخالدة ..ويتوقف سريان الزمن بالأعماق الدافئة الدفينة عند أبوابه المشرعة على أوشاج الروح..تمد يديها لتحضن طيفه القادم من ربوع إعصار النور الذي عم المدينة و راح يبشر بمطلع فجر جديد..يعود فيه الشهيد..يحدثها عن وهج الثورة..عن غرة أول نوفمبر..عن بطولاته العجيبة وجحافل العسكر الفرنسي وأحلافه التي قبروها..عن أفق رسمه ذات يوم بدمه ..كان يغني لزمن المطر والنور والسكينة..كانت تراه دوما هناك نجما ساطعا في السماء يخلب الأبصار ولا يأفل أبدا ..

تصغي خالتي سعدى إلى النشيد القادم من وراء الأفق يحمل إليها العشق والجمال والابتسامات والخلود..فتدب  الحياة في أوصالها وتغني لها طيور السلام والمحبة والحرية حين ينام جميع أهالي القرية الذين يزعمون أنها تعيش حالة غريبة من المس أو الجنون أو تشوش الذاكرة.. أحيانا تحيا في الماضي وتنسى حاضرها البائس الموجع..وتارة تغرق فيه حالمة برجوع حمامة السلام عند مطلع الفجر ..يتجاذبها قطبي الزمن..وهي العجوز الوحيدة في القرية التي تحسن القراءة والكتابة ..تتلمذت في المدرسة البادسية حيث كان والدها معلما واعتاد أن يصطحبها معه لتنهل من علوم اللغة العربية ومبادىء الإسلام الحنيف..

كنت أرقبها وأرسم في مخيلتي سيرتها وهي منشغلة بتحضير القهوة التي تعشقها وحالما أنهت إعدادها قدمت لي فنجانا منها  و جلسنا نرشفها بتلذذ عجيب تحت أفياء شجرة التوت العتيقة في فناء بيتها الريفي الحجري العتيد  الذي يسقفه قرميد أحمر باهت.. رحنا  نتبادل أطراف الحديث حول أوضاع البلاد ومسيرات الحرية..وفجأة   سألتني: ماذا تفعلين في حياتك ياابنتي؟! اعذريني لقد أصبحت سريعة النسيان..وقبل أن أجيبها دخلت في حديث شاعري مر يدل على حس مرهف ووعي تام بالواقع وهي التي جاهدت إبان الثورة التحريرية مع زوجها وشهدت انطلاق الرصاصة الأولى في منطقتها وتنقلت بين الذرى والوهاد..وأمضت الأيام والليال في الخنادق والمغارات والعراء

واستشهد سي عمار  في واحدة من أعظم وقائعها   تاركا لها ابنة توفيت في ريعان شبابها وهي تضع مولودها البكر..وراحت ..

دم الشهيد يضج في الشريان والوريد..يولول من الألم ..روح سي عمار التي تسكنني..تحدثني عن الفواجع والمواجع ..تملأني بالشجن..سرقوا منا العزة والوطن ..مارسوا علينا الجور ..اعاثوا الفساد في البلاد..قتلوا الأماني وكبلوا العباد بأصفاد الإذلال والاستعباد ..وكمموا الأفواه..بنوا حصونا من السجون في كل المدن والبقاع ليحشروا فيها أبناء الوطن..سلبونا أموالنا ..فتحوا للأعداء أبوابنا..وأذعنوا لفرنسا تسوسنا ..تمد جذورها التي اقتلعناها من جديد ..لتنتقم من روح الشهيد ..ٱه من الخونة..أومأت إلي بوضع سبابتها على شفتيها أن أصمتي..وأنا أنظر بدهشة وأصغي بتمعن..وهي تواصل حديثها..

إني أسمع بكاءه ونداءه ..إنه ينوح من قسوة الوجع ..غيبوه في كفن..ووأدوه في رمس ..الشهيد لا يموت..إنه يضج ..هل تسمعينه؟!

اوعزت لها برأسي نعم وقد تملكتني الدهشة من حديثها

فواصلت مسترسلة: إنه قادم مع فيلقه..سيمرون من هنا ..إشتقت إليه كثيرا..سأراه..سأراه

نهضت من مقعدها الخشبي وراحت تنظر إلى بعيد كمن ينتظر مسافرا ويراه عائدا بعد طول غياب..وهي تواصل هذيانها وأنينها وتجهش في موجة من البكاء..

نوفمبر ما أهديتني غيرالأرق و أحلام من ورق..بالكمد تحترق..وسرابا وأشجانا وهراء ودخانا..دم الشهيد في شرياني ووريدي ..يقدح الشرر ..يزمجر..ويرويني كالمطر..يستصرخ من بعيد..دم الشهيد أهرقوه ..سرقوه..أحالوه إلى القبر..دم الشهيد يصرخ في وتيني ووريدي  ارحلوا ياساسة الغدر..

هم رقصوا على أشلائنا ..هم شربوا دماءنا ..هم سرقوا منا أحلامنا..واغتصبوا منا الوطن..وزرعوا في أفئدتنا الحرمان والشجن..

اه يا ابنتي..تلك العصابات الهوجاء دمرتني..اقتلعت فؤادي مني..وألقتني كظل في الظلام ..تحاصرني مرايا الليل ..تحضنني ذرى الصقيع..وتلفني أياد العتم ..وتدروني هباء وحطاما ..يغرق الشهيد في الأسى ..يتردد صدى نشيجه في المدى..

ثم أخذت تذرف الدموع بحرقة شديدة كمن استعاد وعيه من جديد..وأمام  غرابة المشهد وحيرتي من الذي أسمعه وأشهده نهضت  من مكاني وعانقتها بحرقة محاولة التخفيف عنها بكلمات انتقيتها بعناية وحذر إلى أن رأيت البسمة تعود إلى وجهها فأدركت أنها عادت إلى حالتها الطبيعية..وهي تقول لي اشربي قهوتك قبل أن تبرد..أتممت ما تبقى من قطرات القهوة وهي تدعولي بكل خير وهناء..ودعتها متمنية لها الصحة والعافية وطول العمر وأنا أردد بداخلي إنه اللحن القدسي..

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.