فني

فرقة “أوبِث”: كأن الحياة ليست سوى انتظار للموت

قبل أيام، أطلقت فرقة الروك السويدية، “Opeth”، ألبوماً جديداً حمل عنوان “In Cauda Venenum”، وهو الألبوم الرسمي الثالث عشر في مسيرة الفرقة، التي بدأت مشوارها سنة 1989. أصدرت الفرقة نسختين من الألبوم بذات التوقيت، الأولى باللغة الإنكليزية، التي غنت بها جميع الألبومات السابقة، والنسخة الثانية باللغة السويدية، اللغة الأم لأعضاء الفرقة.

يبدو الألبوم برمته وكأنه انفجار للأفكار المتناقضة بعد محاولة يائسة للصمت، يمكن تلمسها بالمقطوعة الافتتاحية “Garden Of Earthly Delights”، التي تبدو بها الموسيقى وكأنها عاصفة غاضبة تكسر الهدوء، تنتهي بجملة واحدة بصوت طفل صغير يقول باللغة السويدية: “لذلك، إذا توقفت عن التفكير؛ ستموت”.

فعلياً لا يمكن فهم محتوى الألبوم من دون تحديد السياق السياسي والثقافي الذي جاء فيه، فالإصدار هو نسيج من الأحلام الطفولية والهواجس الدموية والتوقعات المتشائمة التي رسمت في الواقع السياسي العالمي، بعد أن بات الكثيرون يتخوفون من انتصار الأحزاب الشعبوية المتطرفة، ويخشون من انتصار اليمين المتطرف في أوروبا؛ لتأتي الأصوات المتضاربة في الألبوم تعبيراً عن هذا القلق مع بعض التشبث بالأحلام المثالية الطفولية، لتصل تلك التداخلات اللامنطقية إلى نوع غريب من الدموية تشرعه المثالية، فيرد بأغنية “Heart In Hand”: “الحرب في المدينة الفاضلة، ذبح الغالبية لصنع التماثل”.

تبدو الأفكار المتدفقة وكأنها لا تقود نحو فكر متوازن، بل هي أفكار سلبية، تستخدم العديد من الأصوات لدحض ما هو قائم، ولدحض كل مسار يلوح في الأفق؛ فمثلاً ترد ببعض الأفكار الطفولية عن الإيمان، ولا تبدو هذه الأفكار نستولوجية يشوبها الحنين للطفولة والبراءة، بل هي ترد لتضع مقاربة قاسية مع الأحزاب السياسية المتطرفة التي تتخذ من الإيمان كقناع للتطرف؛ حيث يصفها بأغنية “Heart In Hand”: “التعصب المتنكر بالإيمان”. وكذلك يصف صعود التيارات اليمينية للسلطة بأغنية “The Garroter”، حيث يذكر: “هناك دافع خفي وراء الوجه القيادي المبتسم، رغبة أنانية في السيطرة، جعلت الأمة بقبضته. العلمانية للأكاذيب الفاشية”.

تتجلى السلبية في الألبوم بالاستسلام الكامل للشروط السياسية والثقافية التي تتحكم بالواقع، حتى تصل هذه السلبية لفقدان كل شيء وكل الأحلام، وكأن الحياة ليست سوى انتظار للموت، ومثال على ذلك ما يرد في الأغنية الأخيرة، “All Things Will Pass”، التي يقول بها: “أحلم أنني ميت”، ويختتمها بقوله: “كل شيء انتهى. هل هناك ما يستحق بالعودة مرة أخرى؟”.

جملة لا تأتي كتساؤل، بل هي كنتيجة لكل تلك المعلومات غير المترابطة التي يسردها في أغنية “Universal Truth”، التي لا يترك وراءه بها أي خيار لإصلاح ما هو قائم، حيث يقول: “الوقت لا يشفي الجراح العارية العالقة بين مجد الماضي والصلوات اليائسة”. تقول الأغنية نفسها: “هناك وقت في الحياة يبدو فيه أن الموت بطيء جداً”.

إلا أن هذه الأفكار السياسية والوجودية التشاؤمية تتمتع بسحر خاص من خلال الموسيقى الخاصة بفرقة “Opeth”، والتي تتلاعب بالإيقاع والحدة ما بين موسيقى “الميتال” و”الروك التقدمي” و”الأكوستيك”، لتسرد كل الأفكار دفعة واحدة، من منظور خاص جداً، قد يكون الأكثر نضجاً بين جميع الألبومات التي قدمتها الفرقة.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.