دولي

في زنزانة رقم 267… أشخاص منحوتون في صخر

شؤون الأسرى الفلسطينيين

ان تجلس متأهبا، جسدك متيبس ، يداك مكبلتان مشدودتان إلى ركبتيك، ظهرك محني كالموزة على كرسي صغير، عيناك معصوبتان، كل ما حولك صراخ وأصوات خشنة، عتمة مالحة وصلبة، تعذيب وضربات على الرأس والأطراف، بصاق وشتائم وتجويع ورعب، زنازين ضيقة جدرانها خشنة، ضوؤها اصفر باهت، روائح قذرة، دماء وسعال على الجدران، أجساد معتقلين منهكة، أطفال ونساء وشبان، أفواج تأتي إلى هذه المسالخ، بعضها يخرج وبعضها لا يخرج، حبل مشنقة يتدلى فوق راسك على مدار الساعة، الزمن مصلوب بين عينيك، لا نوم ولا أحلام ولا ذكريات، الأسرى يموتون يوميا في هذه الأقبية، السجانون تحولوا إلى وحوش آدمية، الانتقام، التعذيب لأجل التعذيب، الاستمتاع بآلام الأسرى، التهديد، الحياة صارت بعيدة، السجن صار قبرا ترتطم عظام ساكنيه بعضها ببعض…هذا ما قرأته في أوراق الصحفي الاممي الثوري المناضل يوليوس فوتشيك، سجل يومياته في سجون النازية الألمانية قبل إعدامه يوم 8 أيلول عام 1943، تعرض لشتى أنواع التعذيب والاهانات وعمليات القمع، جردوه من إنسانيته، كان شاهدا على الوحشية النازية من زنزانته رقم 267 في سجن بانكراك النازي، كان يرأس تحرير صحيفة رودي برافو، عضو في الاتحاد الشيوعي التشيكوسلوفاكي، وعضوا فاعلا في حركة مناهضة النازية، أتهم بالثورة والتحريض على النازية، اعتقل مع زوجته جوستينا التي تعرضت معه إلى عمليات تعذيب قاسية.

الزنزانة رقم 267 هي نفس الزنزانة في سجن المسكوبية وعتليت وصرفند ونفحة وعسقلان وبيتح تكفا والجلمة، ويبدوا ان فوتشيك كان معتقلا في سجون الاحتلال الإسرائيلي، حرس الاس اس الألمان هم أنفسهم الحرس الإسرائيلي في السجون وأقبية التحقيق، جزماتهم العسكرية المدببة، العصي، الهروات، الشبح، يصرخون بك لمجرد ان تطرف عينيك؟ يقتلون النساء والرجال والأطفال يبيدون عائلات بأكملها، هكذا يكتب فوتشيك، يحرقون قرى بأكملها، الموت بالرصاص ينتشر على الأرض، إعدامات على الحواجز العسكرية وفي الشوارع، الموت ينتشر كالطاعون دون ان ينتقي ضحاياه، الإنسان وسط هذا الرعب يعيش، انه أمر لا يصدق يقول فوتشيك، رأيت الأسرى الفلسطينيين يعيشون الحياة تحت وطأت الضغط الرهيب، الحياة في نفوسهم غير قابلة للدمار، تقتل في واحد وتنبت في مائة، الحياة التي تفوق الموت قوة.

دولة الاحتلال الإسرائيلي أعدمت فوتشيك بعد ان شرعت قوانين الإعدام، وبعد ان اكتشف هذا التشابه والتطابق بين ما حدث في السجون النازية وما يحدث في سجون الاحتلال، فعلى مدار 3 سنوات قضاها فوتشيك في السجون شاهد الاف الأسرى يساقون إلى المعسكرات، أصدقاؤه الأسرى اختفوا، خرجوا من الزنازين ولم يرجعوا، يسال عن عمر القاسم واسحق مراغة وعلي الجعفري وميسرة أبو حمدية، قالوا له لقد قتلوا، يسال عن صابر طقاطقة وفارس بارود، قالوا له لقد قتلوا، رأى مئات الأطفال يعذبون وينكل بهم، نساء يصرخن ومرضى يتوجعون حتى الشهقات الأخيرة، الاعتقالات أصبحت روتينية ويومية، رأيت كل الشعب الفلسطيني في السجون، ما هذا الشعب الكبير؟، يسال فوتشيك ويكتب:

أنهم يعذبون ويقتلون لمجرد التلذذ، أنهم يحطمون الأسنان وطبلات الأذن، يسحقون الرأس ويركلون الأعضاء الجنسية، يضربون الاسرى حتى الموت لمجرد القسوة لاغير، كل يوم أراهم، كل يوم علي ان احتك بهم، الجو كله صراخ وانتظار للمجهول، لا يعينني على ذلك إلا إيماني الراسخ بان هؤلاء الجلادين لن يفلتوا من القصاص العادل حتى لو أجهزوا على كل الشهود على جرائمهم.

التقى فوتشيك بالأسير كريم يونس وبأسرى يقضون أكثر من ثلاثين عاما، صامدون بكبرياء عجيب، يعيشون حالة سباق بين الأمل والحرب، سباق بين الموت والموت، من هو الذي سيأتي أولا؟ سمع كريم يونس يقول: يا فوتشيك أيها الصديق، لقد عشنا للفرح وخضنا النضال من اجل الفرح وفي سبيل الفرح نموت، ان بوسعهم ان يسلبوا الحياة منا ولكنهم لن ينتزعوا منا أبدا شرفنا وحبنا…

فوتشيك أصيب بالدهشة في سجن النقب عندما التقى بالأسير وليد دقة، كتب حكاية سر الزيت، وأنجب الأسرى أطفالا بتهريب النطف النووية، بعث جديد، الأسرى يخلقون الحياة من العدم، الأسرى الفلسطينيون لا يموتون، يكتب فوتشيك في مذكراته:

حتى وهم أموات تبقى الحياة في مكان ما في جزء صغير من سعادتهم العظمى، لقد وضعوا حياتهم في حياة أخرى مفعمة بالأمل والحرية، ان الأسرى الفلسطينيين لا يموتون، يخوضون رحلتهم نحو النور والحرية.

الأسير المناضل فوتشيك شاهد رجال النازية في سجون الاحتلال الإسرائيلي ، رعب ذكره بما حدث له في السجون الألمانية، هتلر لا زال هنا، ويقرا ما كتبه أستاذ التاريخ في الجامعة العبرية بالقدس البروفسور دانييل بلمان بان دولة إسرائيل وجهازها التربوي والعسكري والأمني ينتج نازيين جدد، السجانون والحراس والضباط والقضاة ورجال المخابرات يتصرفون بنزعات فاشية بهيمية وبتطرف عنصري، الكراهية والبربرية وروح الانتقام تملا أجواء السجون، اللغة العنيفة تهيمن على كل شيء، لهذا زاد عدد الشهداء الأسرى وزادت النعوش والأمراض القاتلة، قوانين عديدة عدائية يستندون إليها، قوانين الملاحقة والتمييز وتجريد الأسرى من إنسانيتهم، ويكتب فوتشيك انه رأى رجال الدين، الحاخاميين بلباس عسكري، بلباس أطباء وسجانين، الإجراءات تستند إلى تعليمات دينية مستمدة من كتاب توراة الملك، الكل يلبس القبعة ويحمل البندقية، الكل هنا يخوض حربا مع الأسرى، اني مسجون في دولة عسكرتارية دينية عنصرية تجاوزت في ممارساتها النزعات النازية.

فوتشيكك يخوض اضرابا عن الطعام مع الأسرى في سبيل تحسين شروط الحياة الإنسانية والدفاع عن الكرامة، واستغرب من إرادة البطولة لدى الأسرى في تحديها لسياسات الموت والطمس والإذلال، ان الأسرى الفلسطينيين يجازفون بحياتهم ليكونوا جسرا بين الماضي المسيج بالقضبان وحرية الغد، أنهم يناضلون،ـ ان الموت لأبسط مما حسبت والبطولة لا هالة لها، وفي الإضراب الجدران تتكلم وتبث الإشارات، للزنزانات اذرع تشعر بها وهي تبعد عندك الانهيار، انها إخوة يعمدها الدم والعزيمة، لم اشعر بالوحدة، السجين ليس وحيدا، السجن حياة جماعية عظيمة ولا تستطيع أقسى أنواع العزل والحرمان ان تنتزع السجين من هذه الحياة.

يكتب فوتشيك: الأسرى الفلسطينيون حولوا السجون إلى خنادق ومدارس وأكاديميات، مشروع الحرية يبدأ في السجون، لقد سمعتهم يغنون رغم الخوف، يغنون عندما يودعون سجينا قد رحل لن يلقوه ثانية، يغنون للفرح مثلما يغني كل الناس، وسيبقون يغنون طالما هم بشر، وقد تعلمت من الأسرى الفلسطينيين ان القرب من الموت يكشف حقيقة الإنسان، المخلص يقاوم والغادر يخون والضعيف يتهاوى تحت اليأس والبطل يقاتل.

الأسير المناضل فوتشيك يحذر في مذكراته دولة إسرائيل بقوله: ان السجون والمعتقلات ستكون دفيئة لأكبر كراهية عملت أكثر من أية مرة ضد إسرائيل، خذوا العبرة من ألمانيا، اقتلوا هتلر في نفوسكم وعقولكم، سيبقى جنودكم مهووسين يصرخون في الليالي المرعبة مثل شمشون في أغنية هذا ليس انا، شمشون يستحم، يحاول ان يكون نظيفا نظيفا، ان يتخلص من الرائحة، يذهب المسدس معه دائما، شمشون ليس بطلا توراتيا، صار اسم وحدة اغتيالات إسرائيلية، يعيشون في الثكنات بلا روح، ويستند فوتشيك إلى وصية ابراهام بورغ: لا نريد ان نتحول إلى حيوانات مثلما حدث مع أسوا مضطهدينا، لا نريد ان تبتلع بالكامل داخل التشابه المخيف مع أولئك الذين هربنا منهم مبادين مرعوبين.

…الاسير يوليوس فوتشيك يكتب من سجن نفحة كلماته الاخيرة:

عليكم انتم يا من ستجتازون هذه المحنة احياء، ان لا تنسوا الاهتمام بكل ضحية سقطت في السجون، فسياتي وقت يكون فيه الحاضر ذكرى، وسيتحدث الناس عن عصر عظيم وعن ابطال مجهولين صنعوا التاريخ، وليكن معلوما انهم ما كانوا ابطالا مجهولين، وانهم بشر لهم اسماء وقسمات وتطلعات وآمال، وان عذابات اصغر هؤلاء شانا ما كانت اقل من عذابات اول من خلدت اسماؤهم.

كل من دافع بدمه عن المستقبل وسقط في سبيل بهائه انما هو شخص منحوت في صخر، اما من اراد ان يبني من تراب الماضي سدا ضد طوفان الثورة ان هو الا شكل مصنوع من خشب متعفن حتى لو كان كتفاه مثقلة اليوم بنياشين المجد.

يا اخي، يا رفيقي ، اينما كنت ،لا تنم بعد الان ،لا تنم بعد الان

 

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.