صحة و مجتمع

الاقامات الجامعية … الف حكاية و حكاية

الأحكام السلبية المطلقة تبقى تلازمها

خلف أسوار الأحياء الجامعية مسارح لقصص مثيرة، وأسرار كثيرة، تخفيها الحياة اليومية لآلاف الطالبات القادمات من مختلف ربوع الوطن، وحتى من خارجه، وعلى اختلاف أعمارهن، وطبائعهن، ولهجاتهن، وتقاليدهن، يجتمعن تحت سقف واحد، حيث تجد في الغرفة الواحدة ما لا يقل عن ثلاث طالبات.. وفي هذا المجتمع المصغّر تدبّ الحياة بمختلف تفاصيلها وظواهرها الايجابية والسلبية.

….تغير جذري وحياة بوجهين

لا يكاد يختلف إثنان حول التغير الجذري الذي يبدو على الطالبات المنتقلات من الثانوية إلى الجامعة، من حيث السلوك أو المظهر، سيما إذا تعلق الأمر بالمقيمات في الأحياء الجامعية، فمنهن من تلتزم وتتحجب بعد سفور، و منهن من تتبرج وتسفر بعد اِلتزام، وأخريات تجرفهن صديقات السوء إلى مستنقعات الفساد، و التطرف، وغالبا ما تجدهن يعشن حياة بوجهين خوفا من أهاليهن، وينفضن عنهن مساحيق التجميل، ويرخين تقاسيمهن ليستعدن ملامح البراءة، كلما حان موعد مغادرة الإقامة والعودة إلى بيوتهن. التقينا ببعض المقيمات في الأحياء الجامعية وسجّلت هذه الشهادات والقصص.

….تحجبت فتبرأت منها والدتها

هي طالبة من بجاية التحقت بكلية علوم التسيير والاقتصاد بالعاصمة  وسكنت بالإقامة الجامعية للبنات بدالي براهيم ، تأثرت بصديقات ملتزمات معها في نفس الغرفة ونجحن في إقناعها بارتداء الحجاب، لكنها عادت من دونه بعد إجازة الشتاء وحسب ما ترويه عنها صديقاتها المقيمات معها أن قرار خلعه كان بعد أن هددتها والدتها بالتبرئ منها حال بقائها متحجبة.

….حياة من الجلباب إلى السراويل الضيقة.

توري بعض الطالبات المنتسبات للإقامة الجامعية ببن عكنون عن الطالبة حياة، أنها تقطن معهن في نفس الإقامة و كنّ يشاهدنها متجلببة عند اِلتحاقها بالإقامة الجامعية، لكنها تحولت بعد أشهر إلى ارتداء خمار يكشف شعرها بالسراويل الضيقة ووضع مساحيق التجميل.

….طوائف وتوجهات مختلفة

أما ليلى طالبة من إحدى دوائر ولاية ميلة التقيناها قرب الإقامة الجامعية ببن عكنون  فتحدثت باستياء عما وصفته بـ “الطائفية ” التي غزت الإقامات الجامعية،  حيث تحولت التنظيمات الطلابية الحرة من شكلها البريء والهادف الذي يهتم بشؤون الطالبات، وتحسين ظروفهن، والحرص على توفير الأجواء الملائمة لتحصيل العلم؛ إلى بيادق لخدمة الأحزاب السياسية والتوجهات الأيديولوجية والمصالح الشخصية، ومن بين المظاهر التي أثارت حفيظة الطالبة، هو الدعوة إلى وقفات احتجاجية واِعتصامات في باحة الإقامة لأسباب قلّما تكون مشروعة بل معظمها مفتعلة لا تجلب سوى الفوضى وتشل الحركة وتتسبب في تأخر الطالبات على دروسهن.

كما عبرت ليلى عن رفضها وعدم اِرتياحها لنشاطات التبليغ والدعوة التي تقوم بها بعض الطالبات المنتسبات للتيار السلفي من خلال توزيع مطويات على الطالبات تتضمن فتاو ودعوات مختلفة مثل: الالتزام بالحجاب الشرعي وتجنب الاختلاط، وتجنب حضور الحفلات الترفيهية، والرحلات التي تنظمها تنظيمات طلابية اخرى مناهضة للتنظيم السلفي بالموافقة والتنسيق مع إدارة الإقامة.وعن هذا تعلق قائلة: “أتينا من أجل الدراسة وليس من أجل الفتوى.”من جهتها تستعيد لطيفة ذكرياتها عندما كانت طالبة قاطنة بإقامة اولاد فايت تقول أنها كانت في غاية السذاجة، عندما تأثرت ببعض الأخوات المنتسبات إلى جماعة الإخوان المسلمين، وكان ذلك بعد أشهر من الدعوة، تقول لطيفة  أنهن كنّ يغرينها بالهدايا والكتب، ويقمن لها مأدبات غداء وعشاء، قبل أن يعرضن عليها الانضمام للتنظيم الجامعي الخاص بهنّ، وتضيف ” أصبحت إخوانية  ولاحظ أهلي عنّي تغيرا في لباسي وفي تعاملاتي، حيث أصبحت أحظر على والدتي وأختي مشاهدة المسلسلات، وكانت الصدمة عندما اكتشف والدي أنّني انتسب سياسيا لحزب لا يعجبه، فغضب منّي غضبا شديدا وكاد يضربني”

….صخب وزغاريد في وقت متأخر من الليل

زغاريد، وتصفيق وغناء صاخب إلى وقت متأخر من الليل.. مظاهر تلازم الاقامات الجامعية طوال مواسم الدراسة مما يسبب إزعاجا للسكان المجاورين، حيث تشتكي سيدة مقيمة بإحدى العمارات المحاذية للإقامات الجامعية الخاصة بالبنات باية حسين بباب الزوار من تصرفات بعض الطالبات معتبرة إياها عارا على جبين صاحباتها اللواتي لم يعرفن حدود الحرّية، وعبّرت عن ذلك بقولها: ” c’est la deuxième liberté “وتساءلت السيدة عن السبب الذي يجعل بعض الفتيات ينفلتن بطريقة تسيء لسمعة الجامعة بمجرد ابتعادهن عن رقابة الأهل.

…..خدمات وتجارة من داخل الغرف

وان كانت بعض الطالبات تقضين معظم أوقاتهن في الدراسة، وأخريات في التسكع والتجوال، فأخريات تستثمرن أوقات فراغهن في ممارسة هوايات ونشاطات وحرف يدوية ويحولن غرفهن إلى ورشات مصغّرة ومتاجر لعرض منتوجاتهن وخدماتهن، وعن هذا تقول راضية التي اشتغلت لمدة طويلة في ثلاث اقامات جامعية للبنات بالعاصمة : ” رغم فرض الرقابة ووضع عدة إجراءات مثل تخفيض استطاعة العدادات الكهربائية، إلا أن الكثير من الفتيات جعلن من غرفهن محلات للتجميل وتصفيف الشعر مقابل الحصول على مبالغ مالية معتبرة “بالإضافة إلى العديد من الخدمات الأخرى مثل تعبئة أرصدة الهواتف النقالة، وصور طبق الأصل بالنسبة لمن تتوفر لديهن طابعات، وحتى بيع الملابس والأكسوارات تقول سعاد: “بعضهن يتعاملن مع أصحاب محلات بيع الملابس والاكسسوارات ومواد التجميل، حيث يحملن السلع في حقائب يظنها أعوان الأمن الجامعي المسؤولون عن التفتيش أغراض تخصهن، ثم يباشرن نشاطهن التجاري بالتجول عبر الأروقة والغرف بحثا عن زبونات”

….نظرة سـوداء وأحكام مطلقة

ورغم أن الأحياء الجامعية تختزل المجتمع باستقبالها لنماذج مختلفة من الطالبات، بينهن كثيرات حافظن على صورتهن الناصعة، وأعطين صورة مشرّفة عن الطالبة الجزائرية، إلا أن النظرة السوداء، والأحكام السلبية المطلقة تبقى تلازم الجامعة، ما يجعل بعض الأولياء يرفضون استئناف بناتهن للدراسة فيها والإقامة في حرمها بعيدا عن أنظارهم، ويحرمونهن من حلم الالتحاق بالجامعة ونيل الشهادات العليا.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.