اسلاميات

وقفات في وداع رمضان

ها نَحن نُودِّع رمضانَ المبارك بنَهارِه الجميل ولياليه العطرة، ها نَحن نُودِّع شَهْرَ القرآن والتَّقْوى والصَّبْر والرحمة والمغفرة والعتق من النار… وأنتم تذكرون في أولِ جُمُعة من هذا الشهر المبارك يومَ أن وَقفنا وقلنا: مرحبًا بك يا رمضان، مرحبًا بك يا شهر القرآن، وها نحن  نقف لنودِّعَه، ونقول له: السلام عليك يا شهرنا الكريم، السلام عليك يا شهر رمضان، السلام عليك يا شهر الصيام، والقيام، وتلاوة القرآن… السلام عليك يا شهرَ التَّجاوز والغُفْران، السلام عليك يا شهر البركة والإحسان، السلام عليك يا شهرَ الأمان، كنت للعاصين حبسًا، وللمتقين أنسًا، السلام عليك يا شهر الصيام والتَّهَجُّد، السلام عليك يا شهر التراويح، السلام عليك يا شهر الأنوار والمصابيح، فيا ليت شعري، هل تعود أيامُك أو لا تعود؟ وهل إذا عادت أيامُك، فسنكون في الوجود، وننافس أهلَ الركوع والسجود، أو سنكون قد انطبقت علينا اللُّحود، ومَزَّقَنا البِلَى والدود؟ فيا أسفًا على رحيلك يا رمضان، فيا شهرَنا، غير مُودَّع ودَّعناك، وغير مقلي فارقناك، كان نَهارك صدقة وصيامًا، وليلك قِراءَةً وقيامًا، فعليك منا تَحيةً وسلامًا، أتراك تعود بعدها علينا، أم يدركنا المنون، فلا تؤول إلينا؟ مصابيحنا فيك مشهورة، ومساجدنا منك معمورة، فالآن تُطْفأ المصابيحُ، وتنقطع التراويح، ونرجع إلى العادة، ونفارق شهر العبادة.والله، حقٌّ على كل واحد منا أن يبكيَ عليه، وكيف لا يَبكي المؤمنُ رمضانَ، وفيه تفتح أبوابُ الجنان؟ وكيف لا يبكي المذنب ذَهابه، وفيه تغلق أبواب النيران؟ كيف لا يبكي على وقتٍ تُسَلْسَل فيه الشياطين، فيا لوعةَ الخاشعين على فُقدانه، ويا حرقة المتقين على ذَهابه.هذا سيدنا علي – رضي الله عنه – كان يُنادي في آخر ليلة من رمضان: “يا ليت شعري، مَن المقبول فنهنيه، ومن المحروم فنعزيه”… نعم والله، يا ليت شعري، مَن المقبولُ منا فنُهَنِّئه بحسن عمله، ومن المطرود منا، فنعزيه بسوء عمله.

أيها المقبولون، هنيئًا لكم، وأيُّها المردودون، جبر الله مُصيبَتكم، ماذا فات مَن فاته خيرُ رمضان؟ وأي شيء أدرك مَن أدركه فيه الحرمان؟ كم بين مَن حظُّه فيه القبول والغفران، ومَن حظُّه فيه الخيبة والخسران؟ متى يصلح من لم يصلح في رمضان؟ ومتى يَتَّعِظ ويعد ويَستفيد ويتغير ويغير من حياته مَن لَم يفعل ذلك في رمضان؟ إنَّه بحقٍّ مَدرسة للتغيير، نغير فيه من أعمالنا وسُلُوكِنا وعاداتنا وأخلاقنا المخالفة لشرع الله – جل وعلا -: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]ونَحن نودِّع رمضانَ، تعالَ معنا؛ لنقفَ وقفاتٍ تنفعنا في الدنيا والآخرة، فالسعيدُ منا مَن ترك الدنيا قبل أن تتركه، وعمر قبره قبل أن يدخله، وأرضى رَبَّه قبل أن يلقاه.

….الوقفة الأولى: تذكر رحيلك من الدنيا برحيل رمضان.

تذكر – أيها الصائم – وأنت تودع شهرك سُرعةَ مُرور الأيام، وانقضاء الأعوام، فإنَّ في مُرورها وسُرعتها عبرة للمعتبرين، وعِظَة للمتعظين؛ قال – عزَّ وجلَّ -: ﴿ يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةً لِأُولِي الْأَبْصَارِ ﴾ [النور: 44]، فيا مَن ستودع رمضان، تَذَكَّر أنَّك ستودع الدُّنيا، فمَاذا قَدَّمْتَ لله؟ هل أنت مُستَعِد للقائه؟ إنَّ مَن عزم على سَفر، تَزَوَّد لسفره، وأعدَّ العدة، فهل أعْدَدْت زادًا لسفر الآخرة؟ فعجبًا لمن أعد للسفر القريب، ولم يعد للسفر البعيد؛ قال رجل للنبي – صلَّى الله عليه وسلَّم – أي المؤمنين أفضل؟ قال: ((أحسنهم خلقًا))، قال: فأيُّ المؤمنين أكيس؟ قال: ((أكثرهم للموت ذكرًا، وأحسنهم لما بعده استعدادًا، أولئك الأكياس…))، قال حامد اللفاف: “مَن أكثر من ذكر الموت، أُكْرِمَ بثلاثةِ أشياء: تعجيل التوبة، وقناعة القوت، ونَشاط العبادة، ومَن نسي الموت، عُوقِب بثلاثة أشياء: تسويف التوبة، وتَرك الرِّضا بالكفاف، والتكاسُل في العبادة”.

…….الوقفة الثانية: احذر – أخي – أنْ تكونَ مثل بلعم بن باعوراء:

كان لسيدنا موسى – عليه السَّلام – صاحب من المقربين إليه، يُسَمَّى “بلعم بن باعوراء” عالم من علماء بني إسرائيل، وكَانَ مُجَابَ الدَّعْوَةِ، لا يَسْأَلُ اللهَ شَيْئًا إلاَّ أعْطَاهُ إيَّاهُ، بلغ من ثقةِ موسى فيه أنه قال له: يا بلعم، اذهب إلى أهلِ مدين، فبلِّغهم رسالاتِ الله، فلما ذهب بلعم ووقف بينهم خطيبًا ومرشدًا، قال له أهلُ مدين: كم يُعطيك موسى من الأجر على تبليغ هذا الكلام؟ فقال بلعم: إنَّما أبلغه ابتغاءَ مرضاة الله، لا أتَقَاضى على ذلك أجرًا، فساوموه وجعلوا له مقدارًا من الذهب والفضة، وعندئذٍ فَكَّرَ الرجلُ قليلاً، وبعد ذلك عاد إليهم، وترك نبيَّ الله موسى، وانقلب على عَقِبَيْه، وانتظره موسى؛ ليعودَ إليه، ولكنه لم يعُد إلى موسى، فقد أكلته الدنيا، وباع آخرته بدنياه. وعندئذٍ قَصَّ الله – عزَّ وجلَّ – قِصَّتَه على نبينا مُحمد – صلَّى الله عليه وسلَّم – وحذَّرنا من أن نكونَ مثله، فبعد أن ذاق حلاوةَ الإيمان، وآتاه الله آياته، انقلب على عقبيه، واشترى الضلالةَ بالهدى والعذابَ بالمغفرة، وانسلخ من آياتِ الله، كما تنسلخ الحية من جلدها، فقال تعالى: ﴿ وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ * وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ ﴾[الأعراف: 175 – 176].وهذه التحذيرات القرآنية تنطبق على مَن ذاق حلاوةَ طاعة الله – تعالى – في رمضان، فحافظ فيه على الواجبات، وترك فيه المحرمات، حتى إذا انقضى الشهرُ المبارك، انسلخ من آياتِ الله، ونقض غزله من بعد قُوَّة أنكاثًا. أيها المسلم، إنَّ كثيرًا من المسلمين يكونون في رمضان من الذين هم على صلاتِهم يُحافظون، فإذا انقضى رمضانُ، أضاعوا الصَّلاةَ، واتبعوا الشهوات، وكثير من المسلمين يَجتنبون في رمضان مُشاهدةَ المحرمات، وسَماع الأغاني، فإذا انقضى رمضان، عادوا إلى ما كانوا عليه من الباطل، وهؤلاء يُخْشَى عليهم أن يُختم لهم بالسيئات، أعاذنا الله وإياكم.

فيا مَن صام لسانُه في رمضان عن الغِيبة والنَّميمة والكَذِب، واصلْ مَسيرتَكَ، وجدَّ في الطلب، ويا من صامت عينُه في رمضان عن النظر المحرم، غضَّ طرفَك ما بقيت، يورثِ الله قلبَك حلاوةَ الإيمان ما حييت، ويا من صامت أذنه في رمضان عن سماع ما يحرم من القول، وما يُستقذر من سماع غيبة، أو نميمة، أو غناء، أو لهو، اتَّقِ اللهَ ولا تعد، اتَّقِ الله، ولا تعُد، ويا من صام بطنه في رمضان عن الطعام، وعن أكْلِ الحرام، اتَّقِ الله في صيامك، ولا تذهب أجرك بذنبك، وإياك ثم إياك من أكلِ الربا، فإن آكله مُحارِب لله ولرسوله، فهل تطيق ذلك؟ ولقد ذَمَّ السلفُ هذا الصنف من الناس، وهذا النوع من الأجناس، قيل لبشر: إنَّ قومًا يَجتهدون ويتعبدون في رمضان، فقال: “بئس القوم الذين لا يعرفون اللهَ إلاَّ في رمضان، إن الصالح يجتهد ويتعبد السَّنَةَ كلها”.وعن علقمة قال: قلت لعائشة – رضي الله عنها -: “هل كان رسولُ الله – صلَّى الله عليه وسلَّم – يَختص شيئًا من الأيام؟ قالت: لا، بل كان عمله ديمة”؛ البخاري (1987) ومسلم.

…..الوقفة الثالثة: تذكروا الأيتام يوم العيد:

إنَّ العيدَ على الأبواب، فإلى كل صائم وصائمة أُوَجِّه هذه العباراتِ؛ عَلَّ الله – عزَّ وجلَّ – أنْ يكتُبَها في ميزان الحسنات، أقول: وأنتم تشترون لأولادِكم وبناتكم ملابسَ العيد، وحلويات العيد، تَذَكَّروا ذلكم الطفلَ اليتيم، الذي ما وجد والدًا يشتري له ملابسَ العيد، ويبارك له بالعيد، ويُقبِّله، ويَمسح على رأسه، قُتل أبوه في جُرْح من جِرَاح هذه الأمة، وتذكروا تلكم الطِّفلة الصغيرة، حينما ترى بنات جيرانها يرتدين الجديد، وهي يتيمة الأب، إنَّها تخاطب فيكم مشاعِرَكم، وأحاسيسكم، إنَّها تقول لكم: أنا طفلة صغيرة، ومن حقي أنْ أفرحَ بهذا العيد، نعم، مِن حقي أن أرتدي ثوبًا حسنًا لائقًا بيوم العيد، من حقي أنْ أجِدَ الحنان والعطف، أريد قُبلةً من والدي، ومَسْحَةً حانية على رأسي، أريد حلوى، ولكن السؤال المرَّ الذي لم أجد له جوابًا حتى الآن هو: أين والدي؟ أين والدي؟ أين والدي؟!! فيا أخي، ويا أختي، قَدِّموا لأنفسِكم، واجعلوا فرحةَ هذا العيد المبارك تعُمُّ أرجاءَ بلادنا وبيوتنا.أسألُ اللهَ العَلِيَّ القدير أنْ يتقبلنا بقَبول حَسن، وأنْ يُصْلِحَ قلوبَنا وأعمالنا، وأنْ يُعيدَ رمضان علينا باليمن والخير والبركات، إنَّه سَميع مُجيب، والحمد لله ربِّ العالمين، وصلى الله على نبينا مُحمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.