اسلاميات

الحوار النبوي

نواصل في هذا العدد موضوع الحوار النبوي و الذي يعتبر  مفتاح التواصل الحضاري، ووسيلة للتعارف بين الناس، وهو من أحسن الوسائل في إقناع المخالف وتبليغ الدعوات، والسيرة النبوية مليئة بالمواقف والأمثلة المضيئة، التي ترشد إلى هديه ـ صلى الله عليه وسلم ـ في حواره مع الآخرين على اختلاف نوعياتهم، ومنها :

*..مع العاصي :

كان – صلى الله عليه وسلم ـ في حواره مع صاحب المعصية يترفق به، ولا ينظر إلى جرأته على معصية الله فيعنفه، بل يلمس جانب الخير فيه فيحركه بمنطق الحوار العقلي والقلبي، الذي يعلم الجاهل بحلم ورفق، ويأخذ بيد العاصي بحكمة وود، محاولاً إرجاعه إلى طريق العفة والاستقامة، بل ويدعو له بالهداية والطاعة .

عن أبي أمامة – رضي الله عنه – قال: ( إن فتى شابا أتى النبي – صلى الله عليه وسلم ـ فقال: يا رسول الله ائذن لي بالزنا، فأقبل القوم عليه فزجروه، قالوا: مه مه، فقال رسول الله – صلى الله عليه وسلم -: ادْنُه، فدنا منه قريبا، فجلس، قال: أتحبه لأمك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ولا الناس يحبونه لأمهاتهم، قال: أفتحبه لابنتك؟، قال: لا والله يا رسول الله ، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لبناتهم، قال: أفتحبه لأختك ؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لأخواتهم، قال: أفتحبه لعمتك؟، قال : لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لعماتهم، قال: أفتحبه لخالتك؟، قال: لا والله، جعلني الله فداءك، قال: ولا الناس يحبونه لخالاتهم، ثم وضع يده عليه وقال: اللهم اغفر ذنبه، وطهر قلبه، وحصِّن فرْجه، فلم يكن بعد ذلك الفتى يلتفت إلى شيء ) رواه أحمد .

*…مع الكافر :

روى ابن هشام في السيرة النبوية: ” أن عتبة بن ربيعة ـ وكان سيداً ـ ألا أقوم إلى محمد فأكلمه؟، وأعرض عليه أموراً لعله أن يقبل بعضها، فنعطيه أيها شاء، ويكف عنا؟، فقالوا: بلى يا أبا الوليد، فقم إليه فكلمه، فقام إليه عتبة حتى جلس إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقال : يا ابن أخي، إنك منا حيث قد علمت من السطة ( أي الشرف) في العشيرة، والمكان في النسب، وإنك قد أتيت قومك بأمر عظيم فرقت به جماعتهم وسفهت به أحلامهم وعبت به آلهتهم ودينهم وكفرت به من مضى من آبائهم، فاسمع مني أعرض عليك أمورا تنظر فيها لعلك تقبل منها بعضها .  قال : فقال له رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ: قل يا أبا الوليد ، أسمع، قال : يا ابن أخي، إن كنت إنما تريد بما جئت به من هذا الأمر مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت تريد به شرفا سودناك علينا، حتى لا نقطع أمرا دونك، وإن كنت تريد به ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك رئيا تراه لا تستطيع رده عن نفسك، طلبنا لك الطب، وبذلنا فيه أموالنا حتى نبرئك منه .. حتى إذا فرغ عتبة، ورسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ يستمع منه، قال: أقد فرغت يا أبا الوليد؟، قال : نعم، قال: فاسمع مني، قال : أفعل، فقال: بِسْمِ اللهِ الرّحْمَنِ الرّحِيمِ { حم * تَنْزِيلٌ مِنَ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ * كِتابٌ فُصِّلَتْ آياتُهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ * بَشِيراً وَنَذِيراً فَأَعْرَضَ أَكْثَرُهُمْ فَهُمْ لا يَسْمَعُونَ * وَقالُوا قُلُوبُنا فِي أَكِنَّةٍ مِمَّا تَدْعُونا إِلَيْهِ وَفِي آذانِنا وَقْرٌ وَمِنْ بَيْنِنا وَبَيْنِكَ حِجابٌ فَاعْمَلْ إِنَّنا عامِلُونَ }(فُصّلَتْ الآية 1 : 5)، ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم فيها يقرؤها عليه، فلما سمعها منه عتبة أنصت لها، وألقى يديه خلف ظهره معتمدا عليهما يسمع منه، ثم انتهى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى السجدة منها، فسجد ثم قال: قد سمعت يا أبا الوليد ما سمعت، فأنت وذاك ” .

وقد جاء في صحيح البخاري كتاب النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ إلى هرقل ملك الروم الذي دعاه فيه إلى الإسلام، وفيه : ( بسم الله الرحمن الرحيم من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد: فإني أدعوك بدعاية الإسلام، أسلم تسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم الأَرِيسيِّين (الفلاحين والأتباع)، { قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَبَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَلا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا: اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ }(آل عمران: الآية 64) ) .

فمن آداب الحوار النبوي مع الآخرين الاستماع والمناقشة، وإنزال الناس منازلهم فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ لِعُتْبة: ( أفرغت يا أبا الوليد )، وقال لهرقل ملك الروم النصراني: ( من محمد بن عبد الله إلى هرقل عظيم الروم )، وذلك الأدب النبوي في الحوار أصله قول النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ: الذي رواه مسلم عن عائشة ـ رضي الله عنها ـ قالت: ( أمرنا رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أن ننزل الناس منازلهم )، ومن ثم فعلى المحاور والداعية ألا يعتدي في وصف محاوره ومخالفه ومن يدعوه بالجهل والسفه أو غير ذلك، فقد قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: ( ليس المؤمن بالطعَّان، ولا اللعَّان، ولا الفاحش، ولا البذيء ) رواه الترمذي .

لا شك أن الحوار في عصرنا الحاضر استجدت له وسائل حديثة لم تكن موجودة من قبل، جعلته أكثر انتشارا وأعظم أثراً، وهذا يجعلنا نؤكد على التزامنا بالهدي النبوي في الحوار مع الكبير والصغير، والمسلم والكافر، والطائع والعاصي، والموافق والمخالف، ليكون بابا يدخل الناس منه إلى الحق، ويسارعون إلى الخير، ونعالج به كثيرًا من اختلافاتنا، ونصون به أخوتنا .

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.