فني

من عبد الحليم إلى محمد رمضان

 كيف سخّر رؤساء مصر الفن لخدمتهم؟

أنهى الممثل المصري محمد رمضان خدمته العسكرية الإجبارية أول مارس/آذار الجاري، وأعلن ذلك عبر صفحته على موقع التواصل الاجتماعي تويتر، مؤكدا شعوره بالفخر لخدمته في القوات المسلحة.

وخلال مدة تجنيد رمضان، ظهر عدد من الأعمال بينها مسلسل “نسر الصعيد” والفيلم الدعائي “حراس الوطن” وكليبات مثل “نمبر وان” و”جيشنا صعب”، كما التقط بعض الصور الفوتوغرافية مع سيارات فارهة يبلغ إجمالي ثمنها نحو 45 مليون جنيه مصري (2.58 مليون دولار)، مما أثار غضب شرائح مختلفة من المجتمع المصري.

ورغم تمتع رمضان بشعبية كبيرة اكتسبها عبر أعماله الأولى بوصفه بطلا منها “عبده موته” و”شد أجزاء”، فإن انتقادات عديدة شملت الممثل الذي دعمه كتاب وصحفيون من غير المتخصصين في الفن عبر مقالات تبدو غريبة على السياق العام.

وهناك إشارات تؤكد اعتبار رمضان خلال المدة الماضية واجهة الجيش في عالم الفن عبر فيديوهاته وعبر مسلسل “نسر الصعيد” الذي استخدم للدعاية المزدوجة للجيش والشرطة معا، مما قد يشير إلى أن رمضان ليس أقل من مشروع معادل “فني” للرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خاصة في ظل تجسيده شخصيات تمارس العنف والبلطجة دون مبرر درامي قوي.

…شعبية النجوم

ويراهن رؤساء مصر منذ ثورة 1952 على شعبية نجوم الفن لاجتذاب الجماهير والسيطرة عليهم، واتخذ السيسي مسار سابقيه، حيث ولدت شعبية المطرب عبد الحليم حافظ مع صعود ضباط يوليو وفي ظل حكم الرئيس جمال عبدالناصر، كما راهن السادات على شعبية أم كلثوم، وبعد موتها اخترع عيد الفن ليراهن بذلك على شعبية جميع الفنانين، ثم جاء مبارك ليدعم الممثل عادل إمام ويكون معادله الفني صاحب الشعبية التي لن تهتز بالقرارات السياسية.

وحظي عبد الحليم حافظ بتدليل لم ينله غيره من الفنانين في مدة حكم جمال عبد الناصر، وقد بدأ طريق الشهرة مع بداية الخمسينيات، ثم تربع على عرش الطرب لسنوات طوال.

وبينما كانت أحلام عبد الناصر تتعلق بالوطن وبالأمة، هامت أحلام العندليب بين النجاح والشهرة والمجد، ووجد الاثنان نقطة التقاء حيث تغنى عبد الحليم بالوطن والأمة وبزعيمها، فوصل الزعيم للقلوب بأغاني العندليب واكتسب حليم شعبية جارفة بأغانيه.

والتقى المطرب والزعيم منذ البداية في العام 1953 بمجلس قيادة الثورة، وقال له عبد الناصر “أنت فنان شاب وابن مخلص للثورة”، وصارت هذه الكلمات عقداً لا يفصم بين عبد الحليم وبين الثورة، وكان ما بعدها تنفيذاً لبنود العقد.

ولم يجند عبد الحليم حافظ موهبته لصالح الثورة في الأغاني الوطنية فقط، وإنما جندها لصالح الثورة في مشروعها الأكبر، وهو تشكيل ملامح طبقة وسطى في المجتمع لها قيمها التي ترتكز على تحرير وتقوية المرأة، فكان أن قدم المرأة القوية في الحب، وغنى لها راجيا إياها العطف والحنان وطلب منها ألا تظلمه، بينما كانت الثقافة السائدة قبل عبد الحليم تمنع على الرجل التوسل وتعتبر أن من العيب التعبير عن مشاعر الضعف تجاه الحبيبة.

ولم يكن ذلك جزءا من أداء العاشق عبد الحليم حافظ في الحياة ولم يكن أيضا سلوكا معتادا عند الرجل المصري أو الشرقي، بل كان تصورا لما ينبغي أن تكون عليه المرأة والرجل في الطبقة الوسطى.

وجدان الفتيات

وعبر أكثر من مئتي أغنية، استطاع عبد الحليم أن يشكل ملامح ووجدان فتيات مصر، وأن يجعل موقفهن في الحب مشابها لمواقف حبيباته في الأفلام وفي الأغنيات، وأن يجعل رجال الجيل اللاحق له عشاقا هائمين ينتظرون رضا الحبيبة أو يعانون من ظلمها.

وبدأ نجم عبد الحليم يخبو بعد رحيل عبد الناصر، خاصة بعد ظهور نوايا السادات في إزالة كل ما يتعلق بسابقه ليترك بصمته الخاصة سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الاقتصادي، وبدأ السادات في المقابل عملية تبديل الوجوه.

ويعد السادات من المحبين الكبار لصوت أم كلثوم، وقد راهن في بداية حكمه على شعبيتها الطاغية، لكن اعتزامها التوقف عن الغناء بعد رحيل عبد الناصر ترك لدى السادات مرارة تجاهها، ولما عادت إلى الغناء احتفل بها، وكانت العلاقة بينهما قد وصلت إلى حد الصداقة ورفع التكلف بينهما.

لكن ذلك الأمر أدى إلى معركة كبرى شملت سهامها أم كلثوم التي فوجئت بتقليل إذاعة أغانيها في الإذاعة المصرية ومنعها من الغناء في الحفلات الخارجية، وظلت حائرة لمدة، لكن ظهور جيهان السادات في الصورة ورغبتها في فرض صورتها باعتبارها سيدة مصر الأولى أوضح الأمور.

ويقول الكاتب الراحل يوسف إدريس “عاشت أم كلثوم كملكة لم يظلمها أحد ولم تتعرض سوى لهزيمة واحدة انتهت بعدها حياتها وكانت تلك الهزيمة علي يد جيهان السادات”.

واختار السادات ألا يكتفي بشعبية مطرب واحد، فقرر أن يخصص يوما سنويا للاحتفال بكل الفنانين وأطلق عليه “عيد الفن” يجري من خلاله تكريم النجوم، ومهد السادات الطريق للمطرب الشعبي أحمد عدوية للانتشار، وراهن على شعبيته التي اكتسبها بين جمهور الطبقة التي أفرزها الانفتاح الاقتصادي.

كوميديا

وأعاد الرئيس أنور السادات مطربه الشعبي للغناء في التلفزيون بعد منعه إثر إصدار عدوية لأغنية “السح الدح امبو” التي أثارت جدلا كبيرا واعتبرت هبوطا بمستوى الذائقة العامة.

وكان مبارك أقل ميلا للفن من السادات، واكتفى بممثلي الكوميديا الذين انتظم بعضهم في الذهاب إليه في منزله لإضحاكه في سنواته الأخيرة، وبينهم المنتصر بالله، لكن عادل إمام كان أحد الأعمدة الأساسية التي اعتمد مبارك عليها في استكمال ما تستقطعه سياساته من شعبيته.

وظل إمام يعمل في مساحات الفن حتى تسعينيات القرن الماضي ملكا متوجا على عرش السينما حتى قرر التوجه إلى إحدى قرى أسيوط التي ضربها الإرهاب ليقدم عرض لمسرحيته “الواد سيد الشغال”، وبعدها اشتبك مع السياسة في تصريحات داعمة لمبارك إلى أن قامت ثورة 25 يناير/كانون الثاني 2011 حيث كان أبرز المدافعين عن الرئيس المخلوع وأبرز المهاجمين للثوار في الميدان.

الوسوم
اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

هذا الموقع يستخدم Akismet للحدّ من التعليقات المزعجة والغير مرغوبة. تعرّف على كيفية معالجة بيانات تعليقك.